المطلع
عاجل

post-image

من رفض المصافحة إلى فرض الشروط… كيف غيّرت إيران قواعد التفاوض في سويسرا


23:16 تقارير عربية ودولية
2026-06-22
79376

لم تبدأ معركة سويسرا من داخل الأوراق ولا من بين بنود الاتفاقات، بل بدأت قبل ذلك بلحظة واحدة صامتة داخل القاعة… لحظة رفض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مصافحة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس.  

حركة بروتوكولية صغيرة في ظاهرها، لكنها حملت رسالة سياسية كبيرة: طهران لم تدخل المفاوضات بوصفها طرفاً يبحث عن مخرج، بل بوصفها طرفاً يرى أنه خرج من مواجهة مفتوحة وهو يحمل أوراق قوة يريد تحويلها إلى مكاسب سياسية واقتصادية.

في تلك القاعة لم تكن المفاوضات مجرد لقاء بين وفدين، بل كانت جولة جديدة من صراع طويل انتقل من الميدان إلى السياسة. 

الولايات المتحدة جاءت وهي تريد تثبيت تفاهمات تضمن فتح الطريق أمام تهدئة أوسع، فيما دخلت إيران وهي تتمسك بأن أي اتفاق يجب أن يُبنى على قاعدة جديدة: لا تنازلات مجانية، ولا عودة إلى نقطة الصفر.

ولهذا تحولت الجولة الأولى في سويسرا إلى اختبار إرادات أكثر من كونها جلسة تفاوض عادية. 

فخلف البيانات الدبلوماسية التي تحدثت عن التقدم وخارطة الطريق، كانت تدور معركة أساسية حول سؤال واحد: من يحدد شكل المرحلة المقبلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترامب حاول إبقاء منطق الضغط حاضراً عندما أكد أن الولايات المتحدة تملك عدة خيارات إذا لم تقدم إيران التزامات جدية، ووصل الأمر إلى إطلاق تحذيرات مرتبطة بمضيق هرمز، وهو ما اعتبرته طهران تجاوزاً لروح التفاهمات التي تم التوصل إليها.

بالنسبة لإيران، لم تكن القضية مجرد تصريح إعلامي، بل اختباراً لطبيعة مذكرة التفاهم ذاتها، فإذا كانت المفاوضات قائمة على الالتزام المتبادل، فإن العودة إلى لغة التهديد تعني بالنسبة لها محاولة لإعادة صياغة المشهد من جديد.

ولهذا غادر الوفد الإيراني قاعة الاجتماعات بشكل مؤقت بعد نحو 80 دقيقة من المباحثات، قبل أن تبدأ مشاورات مكثفة مع الوسطاء القطريين والباكستانيين لإعادة المسار إلى الطاولة.

لكن ما حدث كشف جوهر الخلاف: واشنطن أرادت التعامل مع مذكرة التفاهم كمرحلة يمكن تعديلها وإعادة التفاوض حولها، بينما أصرت طهران على اعتبارها أساساً ملزماً وسقفاً لأي اتفاق نهائي.

ومن هنا بدأت المعركة الحقيقية، فإيران لم تنظر إلى المفاوضات باعتبارها نقاشاً حول ملف نووي فقط، بل باعتبارها عملية إعادة ترتيب لموازين القوة بعد الحرب. 

فالملفات التي طرحت على الطاولة لم تكن منفصلة عن بعضها: مضيق هرمز، العقوبات، النفط، الأموال المجمدة، التخصيب، وملف لبنان، كلها أصبحت أجزاء من صفقة واحدة، وكان مضيق هرمز هو العنوان الأبرز لهذه المعادلة.

فهذا الممر المائي لم يعد في الحسابات الإيرانية مجرد طريق للسفن، بل تحول إلى ورقة استراتيجية أثبتت خلال الأزمة قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. 

ولهذا ركزت طهران على صياغات دقيقة داخل مذكرة التفاهم، بحيث لا يكون فتح الملاحة عودة كاملة إلى الوضع السابق، بل خطوة مرتبطة بترتيبات جديدة.

النص تحدث عن ضمان العبور الآمن للسفن التجارية، لكنه أبقى مسألة الإدارة المستقبلية للمضيق مرتبطة بمشاورات بين إيران وسلطنة عمان باعتبارهما دولتين ساحليتين، وهو ما رأت فيه طهران تثبيتاً لمبدأ السيادة والحقوق الساحلية.

وهنا ظهرت إحدى أهم أوراق القوة الإيرانية: تحويل الجغرافيا إلى نفوذ سياسي.

فالدول الكبرى قد تملك الأساطيل والقواعد، لكن إيران تملك موقعاً يجعل أي اضطراب في المنطقة ينعكس على العالم بأسره. 

وهذا ما جعل ملف هرمز يتجاوز كونه بنداً تفاوضياً إلى ورقة ضغط دولية.
فالولايات المتحدة كانت تدرك أن استمرار الأزمة يعني كلفة اقتصادية وعسكرية كبيرة، خصوصاً مع تأثيرات ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة العالمية، ولذلك أصبح فتح المضيق أولوية لا يمكن تجاهلها.

أما طهران فدخلت المفاوضات وهي تقول عملياً إن فتح المضيق ليس تنازلاً مجانياً، بل جزء من معادلة أوسع تقوم على الاعتراف بدورها الإقليمي.

وفي الجانب الاقتصادي، حاولت إيران تحويل التفاهمات السياسية إلى نتائج عملية. 

فرفع واشنطن اليوم للقيود عن تصدير النفط والمنتجات البتروكيماوية، والإفراج عن جزء من الأموال المجمدة، لم تُقرأ في طهران كمنح أميركية، بل كجزء من مبدأ "الالتزام مقابل الالتزام".

وهذا ما شدد عليه المسؤولون الإيرانيون خلال الحديث عن المرحلة المقبلة، مؤكدين أن أي خطوة إيرانية يجب أن يقابلها تنفيذ واضح من الطرف الآخر.

في المقابل، حاولت واشنطن الحفاظ على أدوات الضغط، إذ ربطت بعض الخطوات الاقتصادية بمستوى التقدم في المفاوضات وبالتحقق من التنفيذ.

وهكذا بقي الصراع قائماً: إيران تريد ضمانات تمنع استخدام الاتفاق لاحقاً كسلاح ضدها، والولايات المتحدة تريد آليات مراقبة تمنع انهيار التفاهمات.
أما الملف النووي فكان الساحة الأكثر حساسية.

فخفض مستوى التخصيب من 60% إلى 20% لا يعني، وفق الرؤية الإيرانية، التخلي عن القدرة النووية، بل إعادة تنظيمها ضمن صيغة جديدة. 

وهذا تحديداً ما أثار قلق إسرائيل، التي ترى أن استمرار التخصيب داخل إيران، حتى بمستويات أقل، يبقي جوهر المشكلة قائماً.

ولهذا كانت تل أبيب تراقب المفاوضات بقلق، خشية أن تنتقل واشنطن من سياسة الضغط القصوى إلى سياسة التسويات، خصوصاً إذا تحولت التفاهمات إلى مسار طويل يعيد ترتيب العلاقة بين إيران والولايات المتحدة.

لكن العقدة الإسرائيلية لم تكن فقط في الملف النووي، بل أيضاً في ملف لبنان.

فطهران ربطت استمرار المسار التفاوضي بآليات خفض التصعيد، بينما بقي السؤال حول قدرة واشنطن على ضمان التزامات حلفائها، وخاصة إسرائيل.

وهنا ظهر ضعف المعادلة الأميركية: فهي تفاوض باسم التهدئة، لكنها ليست الطرف الوحيد القادر على التحكم بكل تفاصيل الميدان.

وبينما كانت التصريحات الرسمية تتحدث عن تقدم، بقيت خلف الطاولة رسالة إيرانية واضحة: التفاوض ليس الخيار الوحيد.

فطهران دخلت سويسرا وهي تحمل مسارين متوازيين، مسار الاتفاق إذا ضمنت مصالحها، ومسار العودة إلى التصعيد إذا شعرت بأن الطرف الآخر يحاول تحويل التفاهم إلى أداة لإعادة فرض الشروط.

وهذا ما جعل كل بند في المفاوضات يحمل معنى مزدوجاً، ففتح هرمز يعني تهدئة الأسواق، لكنه يثبت في الوقت نفسه أهمية الدور الإيراني في المنطقة.

خفض التخصيب يعني تقليل التوتر، لكنه لا يعني إنهاء القدرة الإيرانية.

رفع العقوبات يعني انفراجاً اقتصادياً، لكنه لا يعني انتهاء الصراع على النفوذ.

في النهاية، كشفت سويسرا أن المعركة لم تكن فقط حول توقيع اتفاق، بل حول من يملك حق كتابة اليوم التالي للحرب.

الولايات المتحدة تريد اتفاقاً يمنع انفجاراً جديداً ويحافظ على مصالحها ومصالح حلفائها، بينما تريد إيران اتفاقاً يثبت أن سنوات الضغط لم تنتج تراجعاً، بل نقلت المواجهة إلى طاولة تفاوض مختلفة.

ولهذا بقيت الصورة الأخيرة من المفاوضات تحمل المعنى الأكبر: رفض المصافحة في البداية لم يكن مجرد موقف بروتوكولي، بل إعلاناً بأن طهران تريد أن تدخل المرحلة المقبلة من موقع الطرف الذي يفاوض على الشروط، لا الطرف الذي يتلقى الشروط.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل كانت سويسرا بداية تسوية تاريخية، أم مجرد هدنة سياسية قبل جولة جديدة من الصراع؟؟؟.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

تراجع أسعار النفط العالمية وبرنت يسجل 101.71 دولار للبرميل

تراجع أسعار النفط العالمية وبرنت يسجل 101.71 دولار للبرميل

2026-09-21 09:20 629
الإطار التنسيقي يبحث ملف التشكيلة الحكومية وتحضيرات زيارة الزيدي إلى نيويورك

الإطار التنسيقي يبحث ملف التشكيلة الحكومية وتحضيرات زيارة الزيدي إلى نيويورك

2026-09-21 00:37 4965
الزيدي: العراق يعمل على تهدئة الأوضاع بالمنطقة وينتهج سياسة خارجية منفتحة

الزيدي: العراق يعمل على تهدئة الأوضاع بالمنطقة وينتهج سياسة خارجية منفتحة

2026-09-20 20:36 4399
ترامب: مستعد للقاء الرئيس الإيراني.. وأمور كبيرة جداً ستحدث قريباً

ترامب: مستعد للقاء الرئيس الإيراني.. وأمور كبيرة جداً ستحدث قريباً

2026-09-20 17:47 5566
الدولار يغلق منخفضا في أسواق بغداد وأربيل

الدولار يغلق منخفضا في أسواق بغداد وأربيل

2026-09-20 16:39 6491
إيران تحذر أمريكا ودولاً بالمنطقة: ردنا سيكون متواصلاً وبلا قيود

إيران تحذر أمريكا ودولاً بالمنطقة: ردنا سيكون متواصلاً وبلا قيود

2026-09-20 14:58 4297
التربية تعلن نتائج الثالث المتوسط للدور الثاني للعام 2025–2026 + رابط

التربية تعلن نتائج الثالث المتوسط للدور الثاني للعام 2025–2026 + رابط

2026-09-20 12:27 15326
السجن والحبس بحق مدانين ينتميان لجماعة القربان المنحرفة

السجن والحبس بحق مدانين ينتميان لجماعة القربان المنحرفة

2026-09-20 11:40 13956
التعليم تمنح الجامعات صلاحية استضافة الطلبة بين الدراستين الصباحية والمسائية

التعليم تمنح الجامعات صلاحية استضافة الطلبة بين الدراستين الصباحية والمسائية

2026-09-20 11:19 8411
"المطلع" تنشر قائمة صباحية بأسعار الدولار في العراق

"المطلع" تنشر قائمة صباحية بأسعار الدولار في العراق

2026-09-20 11:06 4884
الأنواء الجوية: ارتفاع جديد في درجات الحرارة

الأنواء الجوية: ارتفاع جديد في درجات الحرارة

2026-09-20 09:21 9502
المركزي العراقي: احتياطياتنا تكفي طلبات الدولار والارتفاع ناتج عن المضاربات

المركزي العراقي: احتياطياتنا تكفي طلبات الدولار والارتفاع ناتج عن المضاربات

2026-09-19 18:12 8455
قائمة بأسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع ختام التداولات

قائمة بأسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع ختام التداولات

2026-09-19 16:40 8938
أمريكا تنهي قيود حظر السلاح والتمويل العسكري المقررة على سوريا

أمريكا تنهي قيود حظر السلاح والتمويل العسكري المقررة على سوريا

2026-09-19 15:31 9627
"إيكو عراق": المضاربات والتخوف من العقوبات يسببان ارتفاعاً متسارعاً بالدولار

"إيكو عراق": المضاربات والتخوف من العقوبات يسببان ارتفاعاً متسارعاً بالدولار

2026-09-19 14:16 7782
النعمان: 30 أيلول يرسخ السيادة الكاملة ويسقط مبررات السلاح خارج الدولة

النعمان: 30 أيلول يرسخ السيادة الكاملة ويسقط مبررات السلاح خارج الدولة

2026-09-19 13:15 11003
ضبط متهمين بكهرباء النجف بتهمة التواطؤ لجباية الأموال واختلاسها خلافاً للقانون

ضبط متهمين بكهرباء النجف بتهمة التواطؤ لجباية الأموال واختلاسها خلافاً للقانون

2026-09-19 12:25 25463
طقس العراق.. 15 محافظة تسجل دون الأربعين درجة مئوية

طقس العراق.. 15 محافظة تسجل دون الأربعين درجة مئوية

2026-09-19 09:24 23993