المطلع
عاجل

post-image

إيران تعيد رسم التوازنات... وأمريكا تدفع ثمن قراراتها المتخبطة


13:29 تقارير عربية ودولية
2026-04-14
64810

انتهت واحدة من أكثر جولات التفاوض حساسية وتعقيداً بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية في إسلام آباد دون اتفاق، بعد 21 ساعة متواصلة من المحادثات المكثفة التي وُصفت بالتاريخية، لكنها كشفت في الوقت ذاته عمق الفجوة الاستراتيجية بين الطرفين، إذ جاءت هذه الجولة في أعقاب حرب استمرت نحو 40 يوماً وانتهت بهدنة هشة، ما جعلها اختباراً حقيقياً لإمكانية الانتقال من المواجهة العسكرية إلى تسوية سياسية، غير أن مسار الأحداث أظهر أن الصراع أبعد بكثير من مجرد خلاف تفاوضي، بل هو صراع إرادات ورؤى متناقضة حول الأمن الإقليمي وموازين القوة الدولية.

قاد الوفد الأمريكي نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، فيما ترأس الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، في حين لعبت باكستان دور الوسيط عبر مسؤولين بارزين، لتبدأ جولة تفاوضية طويلة تخللتها عمليات تبادل نصوص مكتوبة ومقترحات تفصيلية، وتركزت حول ملفات شديدة الحساسية شملت البرنامج النووي، ومستقبل مضيق هرمز، ورفع العقوبات، وتعويضات الحرب، وإنهاء العمليات العسكرية في المنطقة، إضافة إلى قضايا الأصول الإيرانية المجمدة، ورغم أن بعض الوسطاء وصفوا الأجواء بأنها “إيجابية نسبياً” وأنها أعادت فتح القنوات الدبلوماسية، إلا أن التقلبات الحادة في المزاج التفاوضي بين التصعيد والهدوء عكست هشاشة التفاهمات وعمق التباينات.

من الجانب الأمريكي، تمسكت واشنطن بسلسلة مطالب اعتبرتها أساسية لضمان الأمن، تمثلت في إنهاء كامل لعمليات تخصيب اليورانيوم، وتفكيك المنشآت النووية الرئيسية، ومنع إيران من امتلاك القدرة على تطوير سلاح نووي بسرعة، إلى جانب فرض إطار أوسع للأمن الإقليمي يشمل خفض التصعيد ووقف دعم الحلفاء الإقليميين مثل حماس وحزب الله والحوثيين، وفتح مضيق هرمز بشكل كامل دون أي رسوم أو قيود، وهي شروط وصفها الأمريكيون بأنها ضرورية، حيث أكد جيه دي فانس أن الهدف الأساسي هو الحصول على “التزام مؤكد” بعدم سعي إيران لامتلاك سلاح نووي، معتبراً أن عدم التوصل إلى اتفاق يمثل خبراً سيئاً لطهران أكثر من واشنطن.

في المقابل، جاء الرد الإيراني حاسماً، إذ رفضت طهران ما وصفته بمحاولات “سلب الحقوق السيادية”، حيث أكد محمد باقر قاليباف أن المشكلة الجوهرية تكمن في غياب الثقة، مشيراً إلى أن تاريخاً يمتد لعقود من “نكث العهود” يجعل من الصعب القبول بالضمانات الأمريكية، ومشدداً على أن الولايات المتحدة هي من يجب أن تكسب ثقة إيران وليس العكس.

وهو ما عززه موقف شخصيات أخرى مثل البرلماني الإيراني محمود نبويان الذي كشف أن واشنطن طالبت بإخراج اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ومنع التخصيب لمدة 20 عاماً، بل وحتى المطالبة بحصة في عوائد مضيق هرمز، وهو ما اعتبرته طهران تجاوزاً غير مقبول، فيما وصف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان السلوك الأمريكي بأنه قائم على “المعايير المزدوجة” والسعي لفرض الهيمنة السياسية، مؤكداً أن التوصل إلى اتفاق ممكن فقط إذا التزمت واشنطن بالقانون الدولي واحترام حقوق إيران.

ومع إعلان تعثر المحادثات، برزت بوضوح النقاط الست الأكثر تعقيداً التي فجّرت المفاوضات، وهي الملف النووي، ومستقبل التخصيب، والسيطرة على مضيق هرمز، ودور إيران الإقليمي، والأصول المجمدة، وأخيراً فجوة الثقة التاريخية، وهي نقاط لم تكن مجرد تفاصيل تقنية بل عكست صراعاً على النفوذ والقرار السيادي، خاصة مع تمسك طهران بحقها في إدارة مواردها وممراتها الحيوية ورفضها التنازل تحت الضغط.

ورغم الفشل، لم تُغلق القنوات بالكامل، إذ أشارت تسريبات إلى استمرار الوساطات تمهيداً لجولة جديدة، مع تأكيد أن “الباب لم يُغلق بعد”.

غير أن التطورات الميدانية سارعت إلى تجاوز المسار الدبلوماسي، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد انتهاء المحادثات فرض حصار بحري على مضيق هرمز، في خطوة وُصفت بأنها تصعيد غير مسبوق، إذ تعهد بمنع جميع السفن التابعة لجميع الدول من الدخول أو المغادرة، وهو إعلان مثّل تحولاً حاداً من خطاب “حماية الملاحة” إلى محاولة “التحكم بها”، ما أثار تساؤلات واسعة حول واقعية القرار وأهدافه.

هذا التحول في الموقف الأمريكي عكس حالة من التخبط، حيث انتقلت واشنطن من الترويج لفتح الممرات إلى إعلان إغلاقها، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة لتعويض الفشل التفاوضي عبر التصعيد، بل واعتبرها البعض محاولة “للاستحواذ على قرار جغرافي” لا تملكه أمريكا فعلياً، خاصة أن مضيق هرمز يخضع لمعادلات إقليمية معقدة، تجعل من الصعب فرض سيطرة مطلقة عليه.

في المقابل، أظهرت إيران ثباتاً لافتاً، حيث لم تتجه إلى التراجع بل عززت من حضورها العسكري، مستندة إلى قدرات غير متماثلة تشمل وحدات الكوماندوز البحرية ومنظومات صاروخية متطورة مثل “أبو مهدي”، إلى جانب قدرتها على تحويل الجغرافيا إلى أداة ردع، وهو ما أشار إليه المفاوض الأمريكي السابق آرون ديفيد ميلر الذي أكد أن طهران تمتلك “أوراقاً أكثر قوة”، وأنها ليست في عجلة من أمرها لتقديم تنازلات، بل مستعدة لتحمل المخاطر بما فيها احتمال عودة الضربات العسكرية.

ومع دخول الحصار حيز التنفيذ اليوم، بدأت تتكشف تداعياته التي لا تقتصر على إيران، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، إذ إن أي اضطراب في مضيق هرمز ينعكس فوراً على أسواق الطاقة، حيث تشير التقديرات إلى إمكانية ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 140 وربما 170 دولاراً للبرميل، نتيجة مزيج من نقص الإمدادات والمخاطر الجيوسياسية والمضاربات المالية.

وهو ما يهدد بإحداث صدمة اقتصادية عالمية، خاصة للدول الصناعية الكبرى مثل الصين واليابان وأوروبا التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج.

ولا تتوقف التداعيات عند الطاقة، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، حيث يكفي مجرد ارتفاع المخاطر في المنطقة لرفع أقساط التأمين على السفن، كما حدث سابقاً في أزمات مشابهة، ما يعني أن الحصار—لو كان جزئياً—يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط عالمية، وليس مجرد إجراء ضد إيران، في وقت تشير فيه التحليلات إلى أن الولايات المتحدة نفسها قد تواجه تحديات في تنفيذ حصار كامل، بسبب التعقيدات العسكرية والقانونية وخطر التصعيد.

وفي هذا السياق، تبدو المفارقة واضحة، فبينما تسعى واشنطن لاستخدام الحصار كأداة ضغط، تمتلك طهران القدرة على نقل كلفة هذا الضغط إلى الخارج عبر تهديد الملاحة ورفع تكاليف التجارة العالمية، ما يجعل أي مواجهة مفتوحة ذات كلفة مشتركة، وهو ما يعزز فرضية أن الصراع دخل مرحلة “الردع المتبادل” أكثر من كونه صراع حسم سريع، إضافة إلى أن طهران تمتلك ورقة إغلاق مضيق باب المندب بشكل كامل، عبر حلفائها الإقليمين أنصار الله الحوثيين باليمن، وهم الذين لم يدخلو الحرب الأخيرة فعلياً سوى بضربات صاروخية على بعض الأهداف في إسرائيل، حيث أكد المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي، إبراهيم ذو الفقاري، اليوم الاثنين، أنه لا ميناء في الخليج وبحر عمان في مأمن إذا تم استهداف موانئ إيران.مشدداً على أن "القيود التي فرضتها الولايات المتحدة على حركة الملاحة البحرية، إجراء غير قانوني ويعد من أعمال القرصنة البحرية"، ومؤكداً أن "أمن الموانئ في الخليج وبحر عمان إما أن يكون للجميع أو لا يكون لأحد".

في المحصلة، لم يكن فشل مفاوضات إسلام آباد مجرد تعثر دبلوماسي عابر، بل لحظة كاشفة لطبيعة الصراع بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، حيث اصطدمت الضغوط الأمريكية بسقف إيراني مرتفع يرفض التنازل عن الثوابت، في حين كشف التصعيد اللاحق، وخاصة قرار حصار هرمز الأخير، أن المعركة لم تعد تدور فقط حول اتفاق نووي، بل حول من يملك القرار في المنطقة ومن يتحكم بمفاصل الاقتصاد العالمي، وبين هذا وذاك، تبقى المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة، تتراوح بين استئناف التفاوض بشروط جديدة أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع قد تعيد رسم ملامح النظام الدولي بأكمله.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

"المطلع" تنشر أسماء المحافظات العراقية التي عطلت الدوام الرسمي خلال الأربعينية

"المطلع" تنشر أسماء المحافظات العراقية التي عطلت الدوام الرسمي خلال الأربعينية

2026-07-26 22:10 4608
ضمن حراك إقليمي موسع.. الزيدي يزور الرياض الخميس لتوقيع مذكرات تفاهم

ضمن حراك إقليمي موسع.. الزيدي يزور الرياض الخميس لتوقيع مذكرات تفاهم

2026-07-26 21:00 3880
العراق يعزي سوريا في ضحايا حادث طريق دير الزور - دمشق

العراق يعزي سوريا في ضحايا حادث طريق دير الزور - دمشق

2026-07-26 20:19 3626
رئيس الجمهورية لرئيس الحكومة اللبنانية: العراق يدعم استقرار لبنان

رئيس الجمهورية لرئيس الحكومة اللبنانية: العراق يدعم استقرار لبنان

2026-07-26 19:01 3960
إيران تؤكد انتظام الملاحة بمضيق هرمز وتقدم المحادثات مع عمان

إيران تؤكد انتظام الملاحة بمضيق هرمز وتقدم المحادثات مع عمان

2026-07-26 18:05 3599
ارتفاع طفيف بأسعار الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصات

ارتفاع طفيف بأسعار الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصات

2026-07-26 17:48 4492
الزيدي وسلام يترأسان مباحثات بغداد لتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستقرار الإقليمي

الزيدي وسلام يترأسان مباحثات بغداد لتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستقرار الإقليمي

2026-07-26 16:22 4577
الشرع يكشف خريطة دمشق الأمنية ويتمسك بالجولان ويرفض التدخل في لبنان

الشرع يكشف خريطة دمشق الأمنية ويتمسك بالجولان ويرفض التدخل في لبنان

2026-07-26 15:08 3947
وزير الصدر يعلن القبض على "مندسين" بين زوار الأربعينية في النجف

وزير الصدر يعلن القبض على "مندسين" بين زوار الأربعينية في النجف

2026-07-26 14:04 5727
فتح طريق بغداد – جرف النصر لتسهيل حركة زائري الأربعينية باتجاه كربلاء

فتح طريق بغداد – جرف النصر لتسهيل حركة زائري الأربعينية باتجاه كربلاء

2026-07-26 13:03 4377
رئيس الوزراء اللبناني يصل إلى العاصمة بغداد

رئيس الوزراء اللبناني يصل إلى العاصمة بغداد

2026-07-26 12:48 4753
تراجع جديد للدولار في بورصات بغداد وأربيل

تراجع جديد للدولار في بورصات بغداد وأربيل

2026-07-26 12:33 4857
اليوم.. رئيس الوزراء يستقبل نظيره اللبناني نواف سلام في القصر الحكومي

اليوم.. رئيس الوزراء يستقبل نظيره اللبناني نواف سلام في القصر الحكومي

2026-07-26 12:06 4570
تفكيك شبكة تزوير للاستيلاء على قطع أراضٍ والحصول على قروض بالديوانية

تفكيك شبكة تزوير للاستيلاء على قطع أراضٍ والحصول على قروض بالديوانية

2026-07-26 11:20 4139
ضبط 27 مليار دينار جديدة في قضية عدنان الجميلي + صور

ضبط 27 مليار دينار جديدة في قضية عدنان الجميلي + صور

2026-07-26 11:16 4422
الأنواء الجوية: ارتفاع جديد في درجات الحرارة

الأنواء الجوية: ارتفاع جديد في درجات الحرارة

2026-07-26 09:11 3915
قرارات مهمة لمجلس الوزراء تخص الاتفاق المائي مع تركيا ومشاريع النفط والكهرباء

قرارات مهمة لمجلس الوزراء تخص الاتفاق المائي مع تركيا ومشاريع النفط والكهرباء

2026-07-26 00:01 8310
مجلس الوزراء يعطل الدوام الرسمي يومي الإثنين والثلاثاء من الأسبوع المقبل

مجلس الوزراء يعطل الدوام الرسمي يومي الإثنين والثلاثاء من الأسبوع المقبل

2026-07-25 23:20 7023