المطلع
عاجل

post-image

سوريا... انعدام ثقة المواطنين بالحكومة الجديدة يعرقل جهود ضبط السلاح


02:02 تقارير عربية ودولية
2025-05-07
99636

تجد الحكومة السورية نفسها أمام اختبار جديد للسيطرة وبسط نفوذها، وهذه المرة في بلدة جرمانا جنوب شرقي العاصمة دمشق، حيث يبرز توتر أمني متصاعد بسبب تمسك السكان المحليين، وغالبيتهم من الطائفة الدرزية، بالاحتفاظ بسلاحهم الفردي، في تحدٍ علني لدعوات السلطة بتجريده، وتعكس هذه الحالة عمق الفجوة بين الدولة والمجتمعات المحلية في مرحلة ما بعد الحرب، وتطرح تساؤلات حول قدرة الحكومة على فرض هيبتها دون اللجوء إلى القوة أو التنازل عن مطالبها.

وجاء في تقرير لصحيفة العرب وتابعته "المطلع"، أن:"هذا الرفض لا يعكس مجرد تمسك محلي بالسلاح، بل يعكس أزمة أعمق تتمثل في انعدام ثقة متجذر بالسلطة المركزية التي لم تفلح، حسب رأي السكان، في تقديم ضمانات أمنية حقيقية، ولا تزال عاجزة عن ضبط العصابات المسلحة التي تهدد أمن الأقليات".

وفي أعقاب اشتباكات طائفية دامية بين مقاتلين سُنة ودروز، بدأت الحكومة الجديدة حملة لنزع السلاح في محيط دمشق، إلا أن دروز جرمانا، شأنهم شأن كثيرين في مناطق الأطراف، ينظرون بعين الريبة إلى نوايا الحكومة وقدرتها على حمايتهم بعد سنوات من الانفلات الأمني، وأشهر من التوترات المتصاعدة بين الطوائف.

ويرى الأهالي أن:"السلاح ليس وسيلة تحد، بل ضرورة وجودية في وجه احتمالات تكرار سيناريوهات العنف الطائفي، كما حدث في الساحل السوري مؤخرا".

ويقول مكرم عبيد، أحد وجهاء البلدة المشاركين في المفاوضات مع الحكومة:"قلنا لهم، بمجرد أن تكون هناك دولة قادرة على تنظيم قواتها، فلن تكون لدينا مشكلة في تسليم أسلحتنا".

ويلخص عبيد المأزق بقوله:"لا مشكلة في تسليم السلاح، لكن من الذي سيحمي الناس حين يختفي؟".

ويقول مراقبون إنه:"في ظل غياب أجهزة أمنية فاعلة، وتزايد نشاط الفصائل المسلحة في مناطق عدة من سوريا، يبدو مطلب نزع السلاح كأنه محاولة لتجريد المكونات الضعيفة من أدوات الدفاع الوحيدة التي تمتلكها، من دون تقديم بدائل حقيقية للأمن".

وتلقي الخشية من تكرار جرائم الماضي بظلالها على الحاضر. ويقول أحد سكان جرمانا:"الناس يريدون الشعور بالأمان"، مضيفًا أن:"انهيار النظام لم يجلب الاستقرار المنتظر".

ومن هنا، فإن الحديث عن نزع السلاح يبدو في نظر السكان بمثابة تفريط غير مضمون في الأمان الشخصي والمجتمعي.

ولم تنجح السلطات المركزية الجديدة، التي لا تزال تكافح لترسيخ شرعيتها، بعد في ترميم الثقة مع الأقليات، لاسيما الدروز الذين يشعرون بأنه يُطلب منهم تقديم تنازلات متتالية من دون أي التزام فعلي من الدولة بحمايتهم.

وتساءل الشيخ موفق أبوشاش بمرارة:"نحن نقدم خطوات متتالية ولكن ماذا بعد"، في إشارة إلى ما يعتبره المجتمع الدرزي مسارا أحادي الاتجاه من التنازلات غير المتكافئة.

وتفاقمت الأزمة بسبب دخول إسرائيل على خط التوتر، حيث شنّت غارات على أهداف قرب جرمانا بذريعة حماية الدروز، ما زاد من تعقيد الموقف وأكد هشاشة الوضع الأمني.

ويزيد التدخل الإسرائيلي، وإن كان مرحبًا به ضمنيًا من بعض السكان، التشكيك في قدرة الدولة السورية على السيطرة على المشهد الأمني، ويغذي إحساسًا عميقًا بأن "النجاة الذاتية" تبقى الخيار الأكثر واقعية.

وفي ظل هذا الواقع تبدو مساعي دمشق لنزع سلاح الدروز غير قابلة للتنفيذ ما لم تُرفق بخطوات جادة لإعادة بناء الثقة.

فالسلاح ليس قضية معزولة عن سياق سياسي وأمني هش، بل هو جزء من منظومة حماية ذاتية بُنيت في فراغ الدولة، وما لم تُملأ هذه الفجوة بضمانات فعلية، سيبقى السلاح في يد السكان، لا كمصدر تهديد بل كصمّام أمان.

ويشير محللون إلى أن:"أول ما تحتاجه دمشق ليس تجريد جرمانا من سلاحها، بل استعادة ثقة أبنائها".

ويعد تمسك الأقليات بالسلاح في مرحلة ما بعد الحرب السورية ظاهرة منتشرة في عدة مناطق، ليس فقط بسبب المخاوف الأمنية، بل نتيجة فراغ مؤسسات الدولة وضعف ثقة المجتمعات المحلية بحكومة ما بعد الأسد.

وقد سبق للدروز في السويداء أن شكلوا مجموعات حماية ذاتية خلال السنوات الأخيرة من النزاع، معتمدين على شبكاتهم المحلية بدلا من الجيش أو قوات الأمن الرسمية، التي يُنظر إليها من قبل العديد من السكان على أنها متورطة في تحيّزات طائفية أو غير قادرة على حماية المواطنين.

وكما أن النظام السوري السابق استخدم في الكثير من الأحيان إستراتيجية "التسليح الموجّه"، حيث سلّح مجموعات من مختلف الطوائف لفرض سيطرته على مناطق متوترة، ما جعل السلاح جزءًا من المعادلة الاجتماعية والسياسية، لا مجرد أداة قتالية.

وجعل هذا الإرث محاولات نزع السلاح بعد سقوط النظام تواجه بحذر من المجتمعات التي لا تزال تحمل الذاكرة الحية لانهيار الأمن حين غابت الدولة، أو تواطأت مؤسساتها على العنف.

ويضاف إلى ذلك أن الوضع الجيوسياسي يضاعف من تعقيد مشهد جرمانا. فإسرائيل، التي تعهّدت علنًا بحماية الدروز السوريين، تنخرط بشكل متزايد في توجيه ضربات استباقية ضد من تعتبرهم تهديدًا لمجتمع الدروز، ما يعمّق الشعور المحلي بأن مصدر الحماية ليس دمشق، بل الخارج، ويكرس منطق الاعتماد الذاتي على السلاح.

ولطالما اتسمت العلاقة بين الطائفة الدرزية والدولة السورية بتوازن دقيق بين الولاء الوطني والسعي للحفاظ على نوع من الاستقلال المحلي، وهي علاقة تعود جذورها إلى ثورة عام 1925 حين لعب الدروز دورا محوريا في مقاومة الانتداب الفرنسي.

ولم يتحول هذا الإرث المقاوم إلى صفحة من الماضي، بل ظل حيًا في الذاكرة الجمعية لأبناء الطائفة، يغذي موقفًا راسخًا من أي محاولة لتجريدهم من وسائل الدفاع الذاتية، ويمنح السلاح بعدًا رمزيًا يتجاوز كونه مجرد أداة أمنية.

وما يعزز هذا الشعور هو واقع ما بعد النزاع السوري، الذي يشبه إلى حد بعيد تجارب بلدان أخرى شهدت حروبًا أهلية طويلة، مثل لبنان والعراق، حيث احتفظت جماعات طائفية أو عشائرية بأسلحتها لسنوات بعد توقف القتال الرسمي، في ظل غياب إصلاحات أمنية حقيقية أو مؤسسات دولة قوية.

ومن هذا المنظور تبدو جرمانا اليوم جزءًا من مشهد أوسع، تسير فيه المجتمعات المحلية على خطى مجتمعات مماثلة وجدت في السلاح ملاذا اضطراريا، وليس خيارا عدائيا.

ويزداد المشهد تعقيدًا في جرمانا بفعل أبعاده الإقليمية والدولية، فالجنوب السوري لم يعد مجرد ساحة داخلية للصراع على السلطة، بل تحوّل إلى منطقة تتقاطع فيها مصالح دولية كبرى، أبرزها إسرائيل وإيران وروسيا.

ولا يمكن إغفال الأثر النفسي والاجتماعي العميق الذي خلفه انهيار الأمن على المجتمعات المحلية، خاصة تلك التي تنتمي إلى أقليات دينية أو إثنية.

ففي مثل هذا السياق لا يُنظر إلى السلاح كخطر، بل كجزء من معادلة البقاء، وعنصر أساسي من عناصر الشعور بالأمان والانتماء.

وتحول السلاح إلى رمز للكرامة الشخصية والقدرة على حماية الذات، بعد أن فقدت الدولة مصداقيتها كمصدر موثوق للأمن.

ولذلك لا يمكن أن يتم تفكيك هذا الارتباط بقرارات فوقية أو عبر حملات نزع سلاح تفتقر إلى الضمانات، بل يتطلب مسارًا طويلا من إعادة بناء الثقة، ومصالحة حقيقية تنبع من إدراك الدولة لحقيقة أن ما فقد ليس فقط السيطرة، بل الشرعية.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

الإتحاد الأوروبي يقدم 100 مليون يورو إضافية للجيش اللبناني

الإتحاد الأوروبي يقدم 100 مليون يورو إضافية للجيش اللبناني

2026-06-04 18:23 1188
رحيل المرجع الديني الكبير محمد إسحاق الفياض وبيانات التعزية تتوالى

رحيل المرجع الديني الكبير محمد إسحاق الفياض وبيانات التعزية تتوالى

2026-06-04 10:01 3255
العمل: السلة الغذائية تصل إلى 7 ملايين مستفيد من الحماية الاجتماعية

العمل: السلة الغذائية تصل إلى 7 ملايين مستفيد من الحماية الاجتماعية

2026-06-04 17:19 3292
القبض على المجرم "ابن الحجية" في بغداد الجديدة

القبض على المجرم "ابن الحجية" في بغداد الجديدة

2026-06-04 16:26 2358
الحرس الثوري ينفي استهداف مطار الكويت: صواريخ باتريوت الأمريكية وراء تدميره

الحرس الثوري ينفي استهداف مطار الكويت: صواريخ باتريوت الأمريكية وراء تدميره

2026-06-03 23:01 5643
المؤبد وغرامة ضخمة لمجرم مدان بنقل المخدرات في النجف

المؤبد وغرامة ضخمة لمجرم مدان بنقل المخدرات في النجف

2026-06-03 22:16 5689
التعليم تعلن تغيير عقوبة الغش في الامتحانات

التعليم تعلن تغيير عقوبة الغش في الامتحانات

2026-06-03 21:02 14693
الأمن الوطني يوقع بشبكة احتيال إلكتروني تمارس التسويق الوهمي بالديوانية

الأمن الوطني يوقع بشبكة احتيال إلكتروني تمارس التسويق الوهمي بالديوانية

2026-06-03 18:02 5584
حركة النجباء تؤكد رفضها نزع السلاح وتسليمه للدولة: موقفنا واضح

حركة النجباء تؤكد رفضها نزع السلاح وتسليمه للدولة: موقفنا واضح

2026-06-03 17:01 6231
بشكل عاجل... الكويت تطلب مغادرة دبلوماسيين إيرانيين من أراضيها

بشكل عاجل... الكويت تطلب مغادرة دبلوماسيين إيرانيين من أراضيها

2026-06-03 17:26 6093
الإيبولا يلغي مواجهة دولية بين الكونغو وتشيلي قبل المونديال

الإيبولا يلغي مواجهة دولية بين الكونغو وتشيلي قبل المونديال

2026-06-03 12:04 6760
ترامب يتحدث عن تقدم نووي مع إيران وطهران ترد: المفاوضات مجمدة بسبب لبنان

ترامب يتحدث عن تقدم نووي مع إيران وطهران ترد: المفاوضات مجمدة بسبب لبنان

2026-06-03 16:30 6122
بسبب التقصير... إعفاء مدير مشروع حرية - دغارة في الديوانية وتكليف بديل عنه

بسبب التقصير... إعفاء مدير مشروع حرية - دغارة في الديوانية وتكليف بديل عنه

2026-06-03 13:28 8441
العوادي يتابع خطة الداخلية لاستعدادات عيد الغدير في النجف الأشرف

العوادي يتابع خطة الداخلية لاستعدادات عيد الغدير في النجف الأشرف

2026-06-03 14:01 14892
الحكومة تُشكل لجنة لتنفيذ إجراءات فك الارتباط بالحشد وحصر السلاح بيد الدولة

الحكومة تُشكل لجنة لتنفيذ إجراءات فك الارتباط بالحشد وحصر السلاح بيد الدولة

2026-06-03 15:43 6768
فشل التصعيد يفتح باب التفاوض... إيران تفرض أوراق القوة من بيروت إلى هرمز

فشل التصعيد يفتح باب التفاوض... إيران تفرض أوراق القوة من بيروت إلى هرمز

2026-06-01 21:35 11668
الخطوط الجوية العراقية تعلن تعليق رحلاتها لبيروت حتى إشعار آخر

الخطوط الجوية العراقية تعلن تعليق رحلاتها لبيروت حتى إشعار آخر

2026-06-01 19:01 22751
باريس سان جيرمان يتوج بدوري أبطال أوروبا للمرة الثانية بفوزه على الآرسنال

باريس سان جيرمان يتوج بدوري أبطال أوروبا للمرة الثانية بفوزه على الآرسنال

2026-05-30 22:03 19142