المطلع
عاجل

post-image

حدود أطروحة العزل في تدبير العلاقات الجزائرية المغربية؟

الكاتب: ادارة الموقع


22:08 مقالات عامة
2021-08-27
26475

ثمة أسئلة كثيرة حول خلفيات قرار السلطات الجزائرية قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب.
السلطات الجزائرية قدمت مبرراتها، واعتبرت أن الأفعال العدوانية الصادرة عن المغرب هي التي دفعتها لاتخاذ هذا القرار، وأدرجت ضمن هذه الأفعال اتهام المغرب بإشعال الحرائق في ولاية تيزي ويزو وبجاية وولايات جزائرية أخرى، واتهامه بالتجسس على مسؤولين جزائريين باستعمال برنامج بيغاسوس، والزعم بوجود «مخطط جهنمي» مغربي صهيوني لزعزعة استقرار الجزائر، واتهامه أيضا بدعم حركتين انفصاليتين، بل إنها رجعت للتاريخ، وحشرت المبررات القديمة، لتدعم القرار.
والحقيقة ألا جديد في هذه المبررات، فقد كانت هذه المعطيات حاضرة قبيل انعقاد المجلس الأعلى للأمن الجزائري، ومع ذلك تم اتخاذ قرار وضع العلاقات الجزائرية المغربية في طاولة النظر دون قطعها، فهل مدة أسبوع كانت كافية لإجالة النظر؟ أم أن ثمة متغيرات عجلت بهذا القرار؟
من الزاوية الأمنية، لم تكشف الجزائر عن أي معطيات جديدة، فبلاغ وزارة الخارجية الجزائرية اكتفى بالمعطيات القديمة، لكن من الزاوية السياسية والدبلوماسية يمكن أن نسجل تطورا مهما، فالملك محمد السادس أعلن في خطاب ثورة الملك والشعب عن قرب تدشين علاقات مغربية إسبانية غير مسبوقة، وأنه بنفسه كان يشرف بشكل مباشر على المفاوضات بين مدريد والرباط، وألمح إلى تغير رؤية الإسبان واتجاههم إلى فهم مقتضيات الشراكة كما يفهمها المغرب، وكما هو التعريف الدولي لها.
بعض الصحف الإسبانية، كشفت عن عودة قوية وشيكة للعلاقات المغربية والإسبانية، وتحدثت عن تطور مرتقب في موقف مدريد من نزاع الصحراء مقابل تفاهمات حول وضع سبتة ومليلية المحتلتين.

الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية للجزائر، فضلا عن واقع الدبلوماسية الجزائرية، وتطورات الوضع الإقليمي والدولي، كل ذلك لا يخدم سيناريو دور إقليمي جزائري في المنطقة

الجزائر منذ بداية التوتر مع المغرب حول ملف الصحراء، لجأت إلى أطروحة عزل المغرب، وربما استفادت كثيرا من مقولة عبد الله العروي، الذي كان يقول بأن قدر المغرب أن يكون محاصرا من كل الجهات: شرقا وشمالا وغربا، وأن الخيارات التاريخية التي لجأ إليها المغرب لفك عزلته هي العمق الإفريقي، ومن ثم اتجهت دبلوماسيتها إلى منع أي تقارب مغربي موريتاني من جهة الجنوب، ومحاولة جعل التقارب المغربي الأوروبي محدودا أو غير مستقر من جهة الشمال، والإفادة من الموقف الأمريكي الذي كان يستعمل ورقة حقوق الإنسان ضد المغرب لتحقيق مكاسبه الاستراتيجية في المنطقة، وأكلمت عناصر استراتيجيتها لتطويق المغرب، ببناء محور ثلاثي قوي جزائري نيجيري جنوب إفريقي، مستثمرة انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984.
لكن، يبدو أن تقهقر الدبلوماسية الجزائرية باعتراف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، والدينامية القوية للدبلوماسية المغربية في السنوات الأخيرة، وتحديدا بعد سنة 2004، خلق واقعا جديدا، فالمغرب قوّى شراكته الاستراتيجية مع فرنسا، وقدم دعما قويا لإسبانيا للخروج من الأزمة الاقتصادية التي ضربتها سنة 2008 و2009، وقوّى شراكته الاستراتيجية مع كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وعاد بقوة إلى الاتحاد الإفريقي، وعزز حضوره كمركز جدب قاري، مفككا بذلك المحور الثلاثي: الجزائر نيجيريا جنوب إفريقيا، ولم يكتف فقط بتعزيز وجوده في غرب إفريقيا بل امتد في شرقها وجنوبها، وأثمر ذلك تحقيق اختراق قوي، غيرت على إثره بعض الدول الإفريقية موقفها من قضية الصحراء.
في المحصلة، نجح المغرب في الخروج من العزلة، ووضع الأطروحة الجزائرية في الركن الضيق، لاسيما بعد الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، والتثمين الدولي للدور الذي لعبه في تأمين معبر الكركرات وحماية التجارة الدولية، أي أن الجزائر فقدت الشروط التي تمكنها من المناورة ضد المغرب (بتبديد المغرب لواقع عزلته)، وفقدت أيضا الإمكانية لتحريك البوليساريو فوق الأرض، بسبب الواقع الذي فرضه المغرب في معبر الكركرات، والاستقطاب الدولي للمناطق الجنوبية، سواء عبر إقامة تمثيليات دبلوماسية بها، أو عبر استثمارات كبيرة في المنطقة أو في شكل اتخاذها منطقة لوجستية ضخمة لمرور البضائع إلى العمق الإفريقي.
الجزائر حاولت الاستدراك بالعمل على إعادة إنتاج شروط عزلة المغرب، وذلك من خلال الاستثمار في التوتر المغربي الإسباني من جهة والتوتر المغربي الألماني من جهة ثانية، وسعت إلى تحويل هذا التوترات الثنائية إلى توتر مغربي أوروبي، واشتغلت أيضا من أجل أن تغير الإدارة الأمريكية الجديدة موقفها من اعتراف إدارة ترامب بمغربية الصحراء، وسارعت إلى افتعال توتر مغربي فرنسي من خلال استثمار حملة بيغاسوس، فوجهت اتهاما رسميا للمغرب بالتجسس على مسؤوليها والمسؤولين الفرنسيين، لكنها في الأخير فشلت في محاولة الاستدراك هذه، وكانت الضربة القاضية بالنسبة إليها، هو ما أعلنه ملك المغرب من عودة قوية وشيكة وغير مسبوقة للعلاقات المغربية الإسبانية، وهو ما يعني تغير في الموقف الإسباني تجاه قضية الصحراء، دون أن نغفل الموقف الفرنسي الذي صدر عشية قرار قطع الجزائر لعلاقتها مع المغرب، والذي اعتبر المغرب صديقا عظيما وشريكا قويا، وأيضا موقف الاتحاد الأوروبي، الصادر قبل يومين قبل قرار قطع العلاقات الدبلوماسية، والذي رحب بإنهاء التوتر بين مدريد والرباط معتبرا ذلك خطوة في اتجاه تقوية العلاقات الثنائية وترسيخ الشراكة الأوروبية المغربية.
الدبلوماسية الجزائرية تعيش اليوم أسوأ أيامها، بسبب هذه التطورات التي نسفت بالكامل أطروحتها في عزل المغرب، وبسبب التطورات في تونس، والتي لم يكن للجزائر أي رؤية استباقية لها، فضلا عن أن يكون لها خيارات تؤمن بها الثقوب التي حدثت في جدار منظومة أمنها، ولذلك، هي تحاول أن تنتج بعض المبادرات التي تشعر الرأي العام الجزائري بعودتها القوية وباستعادة الجزائر لدورها الإقليمي في المنطقة، من ذلك الوساطة في سد النهضة، التي لم تثمر شيئا في واقع الأرض، وتأكيد الدور الجزائري في مالي بعد تراجع مالي في الأجندة الفرنسية، والتلويح بإمكان لعب دور أمني الإقليمي في منطقة الساحل جنوب الصحراء، وتكرار الزيارة لتونس للقاء الرئيس التونسي قيس سعيد بعد تعطيل المؤسسات السياسية، والإيحاء بوجود علاقة متينة بين الرئيسين ودور جزائري قوي في تونس، فضلا عن الإيحاءات التي تحاول السلطات الجزائرية تكريسها بخصوص دور الجزائر في مساعدة الليبيين على حل مشاكلهم واستكمال بناء مؤسساتهم السياسية.
كثيرون يطرحون سؤال الكسب الذي ستحققه الجزائر، وهل القرار بقطع العلاقات سيعيد أطروحة عزل المغرب إلى سابق عهدها، أم سيساهم في عزلة الجزائر نفسها، بعد أن أصبحت محاصرة من جهة تونس وليبيا بسبب النفوذ الإماراتي والفرنسي والمصري في المنطقة، وبعد أن حاصرت نفسها غربا بقطع العلاقات مع الرباط؟
ثمة تفسيران لهذا الوضع، فإما أن السلطات الجزائرية في حاجة إلى هذه العزلة، وإلى خلق حالة حرب في وعي الشعب الجزائري للقيام بمهام أمنية واسعة ترتب وضعا داخليا في البنية الأمنية والعسكرية، وإما أنها تراهن على إمكانية دور إقليمي جزائري في المنطقة، وأن هذا الدور سيعيد أطروحة العزل إلى السكة من جديد.
الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية للجزائر، فضلا عن واقع الدبلوماسية الجزائرية، وتطورات الوضع الإقليمي والدولي، كل ذلك لا يخدم سيناريو دور إقليمي جزائري في المنطقة، والأرجح أن السلطات الجزائرية، تريد تنفيذ مهمة محدودة في الزمن، لترتيب وضع جديد داخل البنية الأمنية والعسكرية، واللجوء بعدها للاستجابة للوساطات العربية أو الدولية لجعل مستوى التوتر بينها وبين المغرب متحكما فيه.

الكاتب: بلال التليدي
المصدر: القدس العربي

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

طقس العراق.. ارتفاع في درجات الحرارة بدءاً من الغد

طقس العراق.. ارتفاع في درجات الحرارة بدءاً من الغد

2026-07-27 09:52 614
أمريكا.. إطلاق نار يقطع مهرجاناً شهيراً ويسفر عن سقوط ضحايا

أمريكا.. إطلاق نار يقطع مهرجاناً شهيراً ويسفر عن سقوط ضحايا

2026-07-27 09:34 825
الذهب يرتقي بأكثر من 1% مستفيداً من تراجع النفط والدولار

الذهب يرتقي بأكثر من 1% مستفيداً من تراجع النفط والدولار

2026-07-27 09:02 1363
تراجع أسعار النفط بنسبة 4% عقب توقف الضربات بين واشنطن وطهران

تراجع أسعار النفط بنسبة 4% عقب توقف الضربات بين واشنطن وطهران

2026-07-27 08:20 1751
"المطلع" تنشر أسماء المحافظات العراقية التي عطلت الدوام الرسمي خلال الأربعينية

"المطلع" تنشر أسماء المحافظات العراقية التي عطلت الدوام الرسمي خلال الأربعينية

2026-07-26 22:10 6506
ضمن حراك إقليمي موسع.. الزيدي يزور الرياض الخميس لتوقيع مذكرات تفاهم

ضمن حراك إقليمي موسع.. الزيدي يزور الرياض الخميس لتوقيع مذكرات تفاهم

2026-07-26 21:00 5322
العراق يعزي سوريا في ضحايا حادث طريق دير الزور - دمشق

العراق يعزي سوريا في ضحايا حادث طريق دير الزور - دمشق

2026-07-26 20:19 4547
رئيس الجمهورية لرئيس الحكومة اللبنانية: العراق يدعم استقرار لبنان

رئيس الجمهورية لرئيس الحكومة اللبنانية: العراق يدعم استقرار لبنان

2026-07-26 19:01 4626
إيران تؤكد انتظام الملاحة بمضيق هرمز وتقدم المحادثات مع عمان

إيران تؤكد انتظام الملاحة بمضيق هرمز وتقدم المحادثات مع عمان

2026-07-26 18:05 4126
ارتفاع طفيف بأسعار الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصات

ارتفاع طفيف بأسعار الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصات

2026-07-26 17:48 5126
الزيدي وسلام يترأسان مباحثات بغداد لتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستقرار الإقليمي

الزيدي وسلام يترأسان مباحثات بغداد لتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستقرار الإقليمي

2026-07-26 16:22 5505
الشرع يكشف خريطة دمشق الأمنية ويتمسك بالجولان ويرفض التدخل في لبنان

الشرع يكشف خريطة دمشق الأمنية ويتمسك بالجولان ويرفض التدخل في لبنان

2026-07-26 15:08 4714
وزير الصدر يعلن القبض على "مندسين" بين زوار الأربعينية في النجف

وزير الصدر يعلن القبض على "مندسين" بين زوار الأربعينية في النجف

2026-07-26 14:04 7071
فتح طريق بغداد – جرف النصر لتسهيل حركة زائري الأربعينية باتجاه كربلاء

فتح طريق بغداد – جرف النصر لتسهيل حركة زائري الأربعينية باتجاه كربلاء

2026-07-26 13:03 5390
رئيس الوزراء اللبناني يصل إلى العاصمة بغداد

رئيس الوزراء اللبناني يصل إلى العاصمة بغداد

2026-07-26 12:48 5466
تراجع جديد للدولار في بورصات بغداد وأربيل

تراجع جديد للدولار في بورصات بغداد وأربيل

2026-07-26 12:33 5429
اليوم.. رئيس الوزراء يستقبل نظيره اللبناني نواف سلام في القصر الحكومي

اليوم.. رئيس الوزراء يستقبل نظيره اللبناني نواف سلام في القصر الحكومي

2026-07-26 12:06 5654
تفكيك شبكة تزوير للاستيلاء على قطع أراضٍ والحصول على قروض بالديوانية

تفكيك شبكة تزوير للاستيلاء على قطع أراضٍ والحصول على قروض بالديوانية

2026-07-26 11:20 4544