المطلع
عاجل

post-image

الصمود الإيراني: حيث يسبق المعنى كل سلاح ويحدد مصير الصراع

الكاتب: ادارة الموقع


19:04 مقالات عامة
2026-04-04
3764

لم أكن أسعى إلى تحليل جديد، ولا زاوية مختلفة لما يجري، حين استمعت إلى بيان المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي. كنت، كغيري، أتابع صخب الأخبار، أرقام الخسائر، وضجيج التفسيرات المتناقضة. لكن ما استوقفني لم يكن الحدث بحد ذاته، بل اللغة التي قُدّم بها.

كانت لغة مختلفة: أكثر هدوءاً، أكثر وضوحاً، لكنها في الوقت ذاته أشد وقعاً. لم تكن لغة حماسية أو خطاب تعبوي، بل لغة تبدو وكأنها تحاول أن تشرح أكثر مما تحاول أن تقنع.
وفي تلك اللحظة تحديداً، بدت المفارقة أكثر قسوة: هذا المعنى الذي يُقال بلسان غير عربي، يعجز عن قوله – أو عن تبنيه – كثير من الأنظمة العربية، بل ومن الأنظمة الخليجية تحديداً، التي اختارت عبر عقود أن تعرف نفسها مساراً منفصلاً عن الصراع العربي–الصهيوني.
لقد بنت هذه الأنظمة تصورها على أن الابتعاد عن الصراع، وربط أمنها واقتصادها بالمنظومة الغربية، كفيل بأن يضعها في منطقة آمنة خارج دائرة الخطر. ظنت أن “الحياد الإيجابي” أو “الانخراط الاقتصادي” في المنظومة العالمية سيحميها من ارتدادات الصراع.
لكن ما تكشف اليوم بوضوح لا لبس فيه، هو أن هذا التصور لم يكن سوى وهم استراتيجي. فهذه الدول، التي راهنت على الحماية، وجدت نفسها في قلب الاستهداف حين اتسعت دائرة الحرب لتطال منشآت الطاقة، والبنى التحتية، والممرات الحيوية في المنطقة.

 لم تعد المسألة نظرية، بل واقعاً: أول من يتأثر بالتصعيد قد لا يكون من أعلن المواجهة، بل من اعتقد أنه خارجها.


القوة بلا معنى: هشاشة الاستراتيجية النيوليبرالية
هنا تتجلى إحدى حقائق هذا التحول: الارتباط بقوة كبرى لا يعني الحماية المطلقة، بل قد يعني الانكشاف حين تتغير أولويات تلك القوة أو تعجز عن ضبط مسار الصراع.
حين قال المتحدث: “إننا اليوم لا نقاتل دفاعاً عن أنفسنا فحسب، بل دفاعاً عن مظلومية الأمة الإسلامية والشعب الفلسطيني”، لم يكن يضيف بعداً أخلاقياً إلى بيان عسكري فحسب، بل كان يضع المعركة في إطارها الأوسع: إطار المعنى. وهنا تحديداً يبدأ ما لا يُرى في تقارير العمليات: الفرق بين قوة تتحرك داخل معنى، وقوة تتحرك بلا معنى.
لقد قامت النيوليبرالية، بوصفها الإطار الذي حكم العالم في العقود الأخيرة، على فصل منهجي بين القوة والمعنى. فالقوة تُقاس بالأرقام: الناتج المحلي، حجم التجارة، عدد الطائرات، دقة الصواريخ. أما المعنى، فقد أُحيل إلى هامش الخطاب، إلى الشعارات التي تُستخدم عند الحاجة، لكنها لا تشكّل أساس القرار.
هذا الفصل هو ما منح هذه المنظومة قدرتها على التوسع، لكنه هو نفسه ما يكشف اليوم حدودها. لأن القوة، حين تنفصل عن معنى يبررها، تتحول إلى أداة جوفاء: قادرة على التدمير، عاجزة عن إنتاج الاستقرار.
لقد رأينا هذا الانكشاف في تجارب متكررة: حروب تُخاض بسرعة، أنظمة تسقط، ثم فراغات تتشكل، وفوضى تستمر. لم يكن العجز في القدرة على الفعل، بل في القدرة على تثبيت نتائجه. ومع كل تجربة، كان يتضح أن ما ينقص ليس مزيداً من القوة، بل مزيداً من المعنى.


تماسك المعنى: نموذج إيران وحركات المقاومة
في المقابل، تظهر نماذج أخرى في المنطقة، على رأسها إيران، التي بنت مقاربتها للصراع على أساس مختلف: دمج القوة بالمعنى، والسياسة بالعقيدة، والاستراتيجية بالهوية. لا يعني ذلك أنها بلا أخطاء أو تناقضات، لكن ما يميزها هو امتلاكها لرواية متماسكة تفسر بها أفعالها، وتمنحها قدرة على الاستمرار حتى في أصعب الظروف.
وهنا يمكن فهم كيف أن قوى مثل حزب الله، أو حركات المقاومة في فلسطين، رغم فارق الإمكانات الهائل، استطاعت أن تفرض معادلات ردع حقيقية. لم يكن السر في السلاح وحده، بل في المعنى الذي يحمله هذا السلاح، وفي الاستعداد لدفع كلفته ضمن إطار مفهوم ومقبول لدى جمهورها.
وفي اليمن، حيث ظن كثيرون أن الحصار والحرب كفيلان بإنهاء أي قدرة على الفعل، ظهر نموذج آخر من الصمود: جماعة استطاعت، رغم ما واجهته من ضغوط هائلة، أن تحوّل موقعها من حالة دفاعية إلى طرف فاعل في معادلات إقليمية، مستندة إلى بنية داخلية قادرة على التحمل، وإلى خطاب يمنح هذا التحمل معنى.
هذه النماذج، رغم اختلاف سياقاتها، تشترك في شيء واحد: تماسك المعنى. وهو ما يكشف حدود المنظومة النيوليبرالية التي افترضت أن الضغط المادي كفيل بإنتاج الخضوع. لكن ما يحدث اليوم يشير إلى العكس: الضغط الخارجي، حين لا يرافقه معنى داخلي، قد يؤدي إلى مزيد من التماسك بدل الانهيار.


الجيش الإسرائيلي: التفوق العسكري بلا معنى
في المقابل، يظهر الكيان الإسرائيلي بوصفه نموذجاً مختلفاً جذرياً: نموذج يمتلك تفوقاً عسكرياً واضحاً، لكنه يفتقر إلى تماسك المعنى في لحظات الاختبار.
لقد بُني هذا الكيان على وعد محدد: الأمن المطلق. أمن يتحقق عبر التفوق، ويُحفظ عبر الردع، ويُضمن عبر الدعم الخارجي. لكن هذا الوعد، حين يُختبر، يكشف هشاشته. لأن أي اختراق لا يُفهم كحادث عابر، بل كتهديد لأساس الوجود.
وحين تتكرر الصدمات، لا ينهار الدفاع فقط، بل ينهار الإيمان بجدواه. وحين يتحول المجتمع إلى حالة ترقب دائم، فإن ما يتآكل ليس القدرة العسكرية فحسب، بل العقد النفسي الذي يقوم عليه الكيان.
هنا يظهر الفرق الفلسفي العميق: إيران، ومعها نماذج الصمود الأخرى، تقاتل ضمن معنى يجعل الكلفة مفهومة بل مبررة. أما الكيان، فيقاتل ضمن إطار يجعل الكلفة تهديداً لذاته. الأول يستطيع أن يستمر لأنه يمتلك ما يبرر الاستمرار، والثاني يتآكل لأنه لا يمتلك إلا التفوق الذي يحتاج إلى أن يبقى مطلقاً كي يحافظ على معناه.


الاقتصاد والصمود: المعنى يتقدم على القوة
هذا التباين يتجلى أيضاً في البعد الاقتصادي. فالنيوليبرالية، التي ربطت القوة بالاندماج في السوق العالمية، جعلت من الاستقرار شرطاً أساسياً. لكن الاستقرار ذاته يتحول إلى نقطة ضعف في أوقات الأزمات. لأن الأنظمة التي تعتمد على شبكات معقدة من التجارة والطاقة والاستثمار، تصبح أكثر هشاشة حين تتعرض هذه الشبكات للاهتزاز.
في المقابل، فإن الاقتصادات التي تشكلت تحت الضغط، طورت قدرة أعلى على التحمل، وحولت الموارد إلى أدوات بقاء لا مجرد وسائل رفاه. وهكذا تتحول الحرب من كونها صراعاً على الأرض، إلى صراع على القدرة على الاستمرار. لم يعد السؤال: من يضرب أكثر؟ بل: من يمتلك معنى يجعله يتحمل أكثر؟


انهيار التصورات القديمة: المعنى هو ما يبقى
إن ما ينهار اليوم ليس فقط توازنات سياسية، بل تصور كامل عن العالم. تصور اعتقد أن السوق كفيلة بتنظيم كل شيء، وأن القوة قادرة على فرض كل شيء، وأن المعنى يمكن الاستغناء عنه.
لكن الواقع يقول إن المعنى هو ما يبقى حين تتآكل القوة، وهو ما يمنح الفعل استمراريته حين تفشل الأدوات.
لقد استمعت إلى ذلك البيان، ولم أخرج منه بصورة عن معركة، بل بصورة عن عالم يتغير. عالم لم تعد فيه القوة كما كانت، ولم يعد فيه المعنى هامشاً كما كان، ولم يعد فيه النصر يُقاس بما كان يُقاس به سابقاً.
وهنا، في هذه المسافة بين الهزيمة التي تُفرض بالقوة، والانتصار الذي يُبنى بالمعنى، يمكن أن نفهم ما يجري حقاً: ليس صراعاً على من يمتلك السلاح، بل على من يمتلك القدرة على أن يمنح هذا السلاح معنى.

_ بقلم الكاتب: غيلان الدمشقي

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

العراق يستقبل أكثر من 1.27 مليون وافد منذ مطلع محرم

العراق يستقبل أكثر من 1.27 مليون وافد منذ مطلع محرم

2026-07-25 19:30 869
رسائل إيرانية للجوار: لا عداء.. والكلمة الفصل لطهران في "هرمز"

رسائل إيرانية للجوار: لا عداء.. والكلمة الفصل لطهران في "هرمز"

2026-07-25 19:26 547
مجلس النواب يُنهي القراءة الأولى لحزمة قوانين مالية وتشريعية

مجلس النواب يُنهي القراءة الأولى لحزمة قوانين مالية وتشريعية

2026-07-25 16:54 2045
"نيويورك تايمز": مجتبى خامنئي أكثر انفتاحاً من والده على الخيار النووي

"نيويورك تايمز": مجتبى خامنئي أكثر انفتاحاً من والده على الخيار النووي

2026-07-25 15:54 2295
البرلمان يباشر بالقراءة الأولى من قانون الحساب الختامي لسنة المالية 2012

البرلمان يباشر بالقراءة الأولى من قانون الحساب الختامي لسنة المالية 2012

2026-07-25 14:47 2849
البرلمان يعقد جلسته برئاسة النائب الأول

البرلمان يعقد جلسته برئاسة النائب الأول

2026-07-25 14:23 3292
منفذ العبدلي يعاود نشاطه للمسافرين والتجارة خلال 48 ساعة

منفذ العبدلي يعاود نشاطه للمسافرين والتجارة خلال 48 ساعة

2026-07-25 13:13 2458
القاضي زيدان: العنف ضد المرأة تهديد للأمن الأسري ومستمرون في تمكينها

القاضي زيدان: العنف ضد المرأة تهديد للأمن الأسري ومستمرون في تمكينها

2026-07-25 12:25 3817
الحلبوسي مشيداً بالمرأة العراقية: أثبتت حضورها وحافظت على تماسك المجتمع

الحلبوسي مشيداً بالمرأة العراقية: أثبتت حضورها وحافظت على تماسك المجتمع

2026-07-25 11:36 3013
الزيدي يشدد على حماية المرأة من الابتزاز وتمكينها قيادياً بالدولة

الزيدي يشدد على حماية المرأة من الابتزاز وتمكينها قيادياً بالدولة

2026-07-25 11:34 3178
الحكيم: مناهضة العنف ضد المرأة مشروع معزز في جميع مؤسسات الدولة

الحكيم: مناهضة العنف ضد المرأة مشروع معزز في جميع مؤسسات الدولة

2026-07-25 11:30 3462
آميدي: أمن المنطقة من أمن العراق.. وندعم المحاسبة الصارمة للمفسدين

آميدي: أمن المنطقة من أمن العراق.. وندعم المحاسبة الصارمة للمفسدين

2026-07-25 11:23 3197
أسعار الدولار ترتفع في بغداد وأربيل مع انطلاق تداولات بداية الأسبوع

أسعار الدولار ترتفع في بغداد وأربيل مع انطلاق تداولات بداية الأسبوع

2026-07-25 10:46 3287
رغم التراجع العالمي الأخير.. نفط البصرة يحصد مكاسب أسبوعية قوية

رغم التراجع العالمي الأخير.. نفط البصرة يحصد مكاسب أسبوعية قوية

2026-07-25 10:01 2901
تصل إلى 47 مئوية في البصرة وميسان.. تفاصيل طقس العراق للأيام القادمة

تصل إلى 47 مئوية في البصرة وميسان.. تفاصيل طقس العراق للأيام القادمة

2026-07-25 09:37 3465
كتلة هوائية أوروبية تحد من شدة الحرارة في العراق الأسبوع القادم

كتلة هوائية أوروبية تحد من شدة الحرارة في العراق الأسبوع القادم

2026-07-25 00:18 5172
ترامب: إيران ليست مستعدة بعد للتوصل إلى اتفاق لكننا نتفاوض معها

ترامب: إيران ليست مستعدة بعد للتوصل إلى اتفاق لكننا نتفاوض معها

2026-07-24 22:55 6633
وول ستريت جورنال: مقاتلات من البحرين والكويت قصفت أهدافاً في إيران

وول ستريت جورنال: مقاتلات من البحرين والكويت قصفت أهدافاً في إيران

2026-07-24 22:20 5545