المطلع
عاجل

post-image

أمراض الفيسبوك..!

الكاتب: ادارة الموقع


23:02 مقالات عامة
2021-02-10
25946

أصبح الفيسبوك وعموم وسائل التواصل الاجتماعي متنفساً للجميع، بصرف النظر عن أهداف كل شخص، وزاوية نظره لهذه الوسائل، وهو متنفس حقيقي يشبه الصراخ في الغرف الموصدة، الذي ينصح به بعض أطباء النفس، لكي يحس الإنسان المتورم نفسيا بالراحة. .
  قبل عقود من الزمن كانت النشرة الجدارية هي متنفسنا الوحيد، ثم انتقلنا الى متنفس المنشورات السرية، ثم الكتابة على الجدران. وفي المهجر كانت الجريدة والمجلة هما القناة التي توصل صوتنا الى الآخرين. لكن مواقع التواصل، سيما الفيسبوك، تختلف عن الصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية، في قدرتها على تعميم الرأي ونشره، مهما كان تافهاً أو عميقاً بنظرنا؛ لأن كل من يستطيع النقر على الكيبورد بات بامكانه إيصال صوته.
  أتذكر في مطلع الثمانينات؛ حين كنا نمتهن الكتابة والصحافة في مجلات وصحف وإذاعات المعارضة؛ كان عددنا لايتجاوز الأربعين كاتباً، مقابل مئات الآلاف من قرائنا ومستمعينا. وقد كنا الوحيدين القادرين على التعبير والتنفس عبر الجريدة أو المجلة أو الإذاعة، ثم التلفزيون في مرحلة لاحقة. وكان الآخرون، الذين يريدون أن يوصلوا أصواتهم الى الناس، يطلبون منا أن نكتب عن هذا الموضوع ونتحدث عن ذلك الحدث. أي أن الصحافة والإعلام والكتابة كانت ميزة، وكانت احترافا ومهنة، بل كان في الكتابة قدر كبير من الخوف والرهبة والاحترام.
  أما الآن فقد انقلبت الأمور رأسا على عقب، إذ بات الجميع يعبّر للجميع، وهو حق مشروع في الأساس، لكن المشكلة هو اختلاط الحابل بالنابل، وتساوي العالِم والجاهل، بل باتت الكتابات الأكثر مشاكسة والأقل عمقاً والأضعف لغة، هي الأكثر تأثيراً وانتشاراً وتفاعلاً من الكتابات المهمة العميقة.
مثلا: كاتب معروف ينشر مقالاً مهماً رصيناً على الفيسبوك، بلغة احترافية ومنهج علمي، وحول قضية حيوية، وتأخذ كتابته عدة ساعات أو أيام من وقته، لكنه يستقطب بضع عشرات من الإعجابات وتعليقات قليلة، قياساً بشخص آخر مبتدئ، ينشر جملة واحدة بسيطة جداً، لاتأخذ من وقته دقيقة واحدة، لكنها تجلب مئات اللايكات والتعليقات، وتصل المبالغة أقصى حدودها حين تكون كاتبة الجملة بنت. 
  ما أريد قوله: أن الفيسبوك حطّم أغلب المعايير التقليدية في النشر، وأبرزها:
1- مستوى الكتابة ومستلزماتها البديهية، كاللغة وقواعدها، والاملاء والبلاغة، والفكرة وهيكل الموضوع، وحجم المنشور.
2- مساحة النشر العام؛ فبات المنشور ( البوست)، بصرف النظر عن مستواه، يصل الى آلاف، بل ملايين الناس، في كل زاوية في العالم، بينما كانت الكتابة محتكرة مهنياً ومحدودة جغرافياً.
3- مقياس التفاعل؛ فقد بات التفاعل مباشراً وفور النشر، عبر تسجيلات الاعجاب والتعليقات والرد والرد المباشر، وبصورة لا قيد ولا حد لها.
4- قدرة التأثير الاجتماعي؛ إذ باتت منشورات الفيسبوك، بصرف النظر عن كتّابها ومستوياتهم، قادرة على التحريك الاجتماعي بصورة هائلة، بما يوازي الخطب الحماسية التي كان يلقيها القادة وسادة المنبر.
5- ضياع المعايير الاخلاقية؛ فقد كان حجم قدرة الكاتب على التضليل والكذب والاختلاق والافتراء أقل بكثير جداً في عصر الصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية؛ مما يحصل الآن في عصر الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي. فالكذبة اليوم، وإن كان صانعها ومطلقها إنسان بسيط؛ فإنها تنتشر خلال بضع ساعات، كالنار في الهشيم، وبجميع اللغات، والى كل زوايا الكرة الأرضية. وخلال نشرها وتعميمها، يندر أن يتوقف الناقلون عند التدقيق فيها وتمحيصها؛ إذ لا وقت لديهم ولا صبر، لأن ملايين البوستات تنشر يومياً، وأغلب الناس يستمتعون في نقلها وتعميمها، بل يتسابقون. وكلما كبرت الكذبة والإساءة؛ كبر معها حظها في سرعة الإنتشار وحجمه .
  ولاشك عندي؛ أن أطباء النفس وعلماء النفس الاجتماعي سيعلنون قريباً عن أمراض شخصية واجتماعية اسمها أمراض الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي.

الكاتب: د. علي المؤمن

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

الحرس الثوري ينفي استهداف مطار الكويت: صواريخ باتريوت الأمريكية وراء تدميره

الحرس الثوري ينفي استهداف مطار الكويت: صواريخ باتريوت الأمريكية وراء تدميره

2026-06-03 23:01 4372
المؤبد وغرامة ضخمة لمجرم مدان بنقل المخدرات في النجف

المؤبد وغرامة ضخمة لمجرم مدان بنقل المخدرات في النجف

2026-06-03 22:16 4271
التعليم تعلن تغيير عقوبة الغش في الامتحانات

التعليم تعلن تغيير عقوبة الغش في الامتحانات

2026-06-03 21:02 10801
وزير الخارجية الإيراني: سنرد على أي عمل عدائي ضدنا فوراً وبشكل حاسم

وزير الخارجية الإيراني: سنرد على أي عمل عدائي ضدنا فوراً وبشكل حاسم

2026-06-03 19:44 4248
الأمن الوطني يوقع بشبكة احتيال إلكتروني تمارس التسويق الوهمي بالديوانية

الأمن الوطني يوقع بشبكة احتيال إلكتروني تمارس التسويق الوهمي بالديوانية

2026-06-03 18:02 4243
حركة النجباء تؤكد رفضها نزع السلاح وتسليمه للدولة: موقفنا واضح

حركة النجباء تؤكد رفضها نزع السلاح وتسليمه للدولة: موقفنا واضح

2026-06-03 17:01 4469
بشكل عاجل... الكويت تطلب مغادرة دبلوماسيين إيرانيين من أراضيها

بشكل عاجل... الكويت تطلب مغادرة دبلوماسيين إيرانيين من أراضيها

2026-06-03 17:26 4781
الإيبولا يلغي مواجهة دولية بين الكونغو وتشيلي قبل المونديال

الإيبولا يلغي مواجهة دولية بين الكونغو وتشيلي قبل المونديال

2026-06-03 12:04 4914
ترامب يتحدث عن تقدم نووي مع إيران وطهران ترد: المفاوضات مجمدة بسبب لبنان

ترامب يتحدث عن تقدم نووي مع إيران وطهران ترد: المفاوضات مجمدة بسبب لبنان

2026-06-03 16:30 4708
بسبب التقصير... إعفاء مدير مشروع حرية - دغارة في الديوانية وتكليف بديل عنه

بسبب التقصير... إعفاء مدير مشروع حرية - دغارة في الديوانية وتكليف بديل عنه

2026-06-03 13:28 7018
العوادي يتابع خطة الداخلية لاستعدادات عيد الغدير في النجف الأشرف

العوادي يتابع خطة الداخلية لاستعدادات عيد الغدير في النجف الأشرف

2026-06-03 14:01 12384
الحكومة تُشكل لجنة لتنفيذ إجراءات فك الارتباط بالحشد وحصر السلاح بيد الدولة

الحكومة تُشكل لجنة لتنفيذ إجراءات فك الارتباط بالحشد وحصر السلاح بيد الدولة

2026-06-03 15:43 5154
فشل التصعيد يفتح باب التفاوض... إيران تفرض أوراق القوة من بيروت إلى هرمز

فشل التصعيد يفتح باب التفاوض... إيران تفرض أوراق القوة من بيروت إلى هرمز

2026-06-01 21:35 10831
الخطوط الجوية العراقية تعلن تعليق رحلاتها لبيروت حتى إشعار آخر

الخطوط الجوية العراقية تعلن تعليق رحلاتها لبيروت حتى إشعار آخر

2026-06-01 19:01 21977
باريس سان جيرمان يتوج بدوري أبطال أوروبا للمرة الثانية بفوزه على الآرسنال

باريس سان جيرمان يتوج بدوري أبطال أوروبا للمرة الثانية بفوزه على الآرسنال

2026-05-30 22:03 18568
العراق يحصد جائزة "لبيتم" كأفضل بعثة حج بالعالم للموسم الخامس توالياً

العراق يحصد جائزة "لبيتم" كأفضل بعثة حج بالعالم للموسم الخامس توالياً

2026-05-29 22:21 56377
ترامب يعلن اقتراب اتفاق "السلام مع إيران" ويكشف: فتح هرمز ضمن الصفقة

ترامب يعلن اقتراب اتفاق "السلام مع إيران" ويكشف: فتح هرمز ضمن الصفقة

2026-05-24 00:16 62534
سباق الساعات الأخيرة بين واشنطن وطهران... هل تنجح الوساطات بمنع الحرب الكبرى

سباق الساعات الأخيرة بين واشنطن وطهران... هل تنجح الوساطات بمنع الحرب الكبرى

2026-05-23 15:29 54590