ضربات أميركية_سعودية بالعراق تُربك زيارة الزيدي وتُنذر بتصعيد بري بالخليج
تدخل منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحلها حرجاً وخطورة، مع تحول الساحة العراقية إلى مسرح مفتوح لمواجهة عسكرية أوسع، تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية بالاستراتيجيات الدولية، وفي خرق صريح ومباشر للسيادة الوطنية العراقية، وجّه الطيران الحربي الأمريكي بالاشتراك المباشر مع القوات المسلحة السعودية ضربات جوية مكثفة داخل العمق العراقي، استهدفت مقرات ومواقع حيوية تابعة لـ"هيئة الحشد الشعبي".
و تأتي هذه التطورات الميدانية المتفجرة مستندة إلى اتهامات أمريكية-سعودية لبغداد بالسماح بإنطلاق هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ من أراضيها باتجاه المنشآت النفطية السعودية والقواعد الأمريكية في المنطقة وهي اتهامات تُشكك بغداد في صحتها وتعتبرها غطاءً سياسياً وعسكرياً لتوسيع دائرة الاستهداف وإقحام أطراف جديدة في الصراع.
وما يمنح هذا التصعيد دلالات سياسية وأمنية خطيرة، هو توقيته المباشر الذي جاء قبل ساعات قليلة فقط من الزيارة الرسمية التي كان من المقرر أن يجريها رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، إلى العاصمة السعودية الرياض يوم الخميس 30 تموز/يوليو. إذ تسببت هذه الضربات المشتركة في إرباك المشهد السياسي العراقي، ما دفع "الإطار التنسيقي" بحسب مصدر داخله كشف لموقع "الترا عراق" إلى إعلان تأجيل الزيارة تمهيداً لصياغة موقف حكومي حاسم، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاق العراق كلياً إلى أتون الحرب الإقليمية.
وفي ظل تحذيرات متصاعدة وتصريحات إيرانية رفيعة تتحدث عن سيناريوهات غير مسبوقة تتضمن خيارات الاقتحام والإنزال البري ضد القواعد الأمريكية في دول الخليج كالكويت والبحرين يبدو أن الساحة العراقية باتت يقاطِع فيها خط الدفاع عن السيادة الوطنية مع خطط تصعيد أوسع تبدأ من بغداد ولا تنتهي عند حدود الخليج.
ضربات في شرقي العراق وحصيلة ثقيلة في البصرة وبغداد
بحسب بيان رسمي صادر عن القيادة المركزية الأمريكية ("سنتكوم")، نفذت المقاتلات الأمريكية والسعودية غارات جوية مكثفة استهدفت مواقع ومستودعات أسلحة وطرق إمداد لوجستي تابعة لفصائل في مناطق متفرقة بشرق العراق.
وأكدت القيادة الأمريكية أن الضربات جاءت "رداً على أكثر من 30 هجوماً بطائرات مسيّرة وجهها الحرس الثوري الإيراني خلال الـ72 ساعة الماضية استهدفت القوات الأمريكية وبنية الطاقة التحتية السعودية".
ومن جانبها، أعلنت وزارة الدفاع السعودية على لسان المتحدث باسمها، اللواء الركن تركي المالكي، أن مشاركة المملكة في هذه الضربات داخل العمق العراقي جاءت استناداً إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تُجيز حق الدفاع عن النفس، إذ اعترفت السعودية، وفق هذا المنطق، بحق إيران في الرد عليها وعلى دول الخليج، بسبب وجود القواعد الأمريكية التي تعد نقطة انطلاق للهجمات على إيران.
وأكد المالكي أن العملية جاءت عقب اعتراض الدفاعات الجوية السعودية عدداً من الطائرات المسيّرة التي حاولت استهداف المنشآت البترولية في المنطقة الشرقية والعاصمة الرياض يومي الاثنين والثلاثاء (27 و28 تموز/يوليو).
ميدانياً، كشفت قيادة عمليات الحشد الشعبي في البصرة ومقرّات أخرى في بغداد عن تعرض مواقعها الرسمية لعمليات قصف جوي فجر الأربعاء.
وأعلنت الهيئة أن هذا الاستهداف يمثل "تصعيدًا بالغ الخطورة، وانتهاكًا لسيادة العراق، واستهدافًا لمؤسساته الأمنية الرسمية"، مؤكدة أن الجهات المختصة تتابع الموقف ميدانيًا، فيما لا تزال عمليات إحصاء الخسائر وتقييم الأضرار مستمرة.
تحركات عاجلة في بغداد وتشكيك في صحة الاتهامات
عقب الضربات، وجّه رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة، علي فالح الزيدي، بتشكيل لجنة تحقيق مشتركة تضم وزارتي الدفاع والداخلية وجهاز المخابرات للوقوف على ملافيات الأحداث. كما عقد المجلس الوزاري للأمن الوطني اجتماعاً طارئاً لتدارس تبعات الخرق الجوي الأخير والاتهامات السعودية.
وكشف مسؤول أمني رفيع في قيادة العمليات المشتركة ببغداد أن لجنة التحقيق بدأت اتصالات عالية المستوى مع الجانب السعودي، طالبة تزويدها بصور جوية ومخططات أو بقايا الطائرات المسيّرة لإثبات المكان الذي انطلقت منه.
وتصر طهران والفصائل العراقية وتحديداً "المقاومة الإسلامية في العراق" على أن هذه الاتهامات ليست إلا "محاولات لتبرير العجز وإقحام السعودية مباشرة في خط القصف داخل العراق".
استراتيجية إيران وتصريحات متكي: هل يدخل الخليج والعراق في حرب برية؟
تزامن هذا التصعيد الميداني مع قفزة غير مسبوقة في حدة الخطاب السياسي العسكري القادم من طهران.
إذ أثار وزير الخارجية الإيراني الأسبق والنائب الحالي في البرلمان، "منوشهر متكي"، جدلاً واسعاً بدعوته العلنية إلى شنّ هجوم بري مباشر وضخ إنزال جوي عبر المروحيات على إحدى القواعد العسكرية الأمريكية القريبة في المنطقة في العراق أو الكويت أو البحرين وأسر نحو 100 إلى مئات من الجنود الأمريكيين ونقلهم إلى داخل إيران كأوراق ضغط تفاوضية.
وجاء طرح متكي في ظل المخاوف الإيرانية من قيام واشنطن بالسيطرة على مناطق إيرانية حيوية (مثل جزيرة خارك).
ويرى مراقبون أن تصريحات متكي تعكس خطة محور المقاومة في حال توسع المواجهة؛ حيث تُعد القواعد الأمريكية في البحرين أو الكويت أهدافاً مشروعة للرد المباشر، متوقعين أن يكون الخيار البري متصل الجذور عبر الأراضي العراقية.
ويرى تحليل للسيناريوهات الإقليمية أن الاتهامات الموجهة للعراق باستهداف المنشآت السعودية تُستغل كتمهيد جيو-سياسي لإدخال الرياض رسمياً على خط المواجهة العسكرية والدفاع عن العمق الإقليمي، تحسباً لتنفيذ سيناريو الاقتحام البري للقواعد القريبة في الخليج، والذي يلوح به غلاة المحافظين في إيران كلما تزايد الضغط العسكري الأمريكي على طهران.
وتضع هذه التطوراتُ العراقَ أمام مفصلٍ تاريخي حرج؛ فبينما تحاول حكومة الزيدي التمسّك بحبل الدبلوماسية ونزع فتيل الأزمات مع دول الجوار، تطوقها الاندفاعات الميدانية والخرق المتكرر لسيادتها من كل جانب.
إن تحوّل الأراضي العراقية من ساحة رسائل صاروخية إلى منطلق مفترض لسيناريوهات أعنف كالإنزال البري أو المواجهة المباشرة مع القواعد الإقليمية يهدد بجرّ المنطقة بأكملها إلى أتون حرب مفتوحة.
ويبدو جلياً أن الأيام القادمة لن تحسم فقط مصير العلاقات العراقيّة-السعودية، بل ستحدد ما إذا كانت بغداد ستنجح في تحييد ساحتها، أم ستكون الإضراب الأكبر في زلزال المواجهة الشاملة بين واشنطن وحلفائها من جهة، وطهران ومحورها من جهة أخرى.
كلمات مفتاحية
- العراق
- بغداد
- ايران
- امريكا
- دول الخليج
- امن العراق
- طهران
- الحشد الشعبي
- تقارير عربية ودولية
- الشرق الأوسط
- قصف على العراق
- حرب
