المطلع
عاجل

post-image

سباق الساعات الأخيرة بين واشنطن وطهران... هل تنجح الوساطات بمنع الحرب الكبرى


15:29 تقارير عربية ودولية
2026-05-23
124468

يبدو أن المنطقة تقف مجدداً على حافة انفجار واسع يعيد إلى الأذهان الساعات التي سبقت اندلاع الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في الثامن والعشرين من شباط الماضي، حين كانت المفاوضات تدور في مسقط وجنيف وسط أجواء تفاؤل وحديث متصاعد عن قرب التوصل إلى اتفاق، قبل أن يتحول المسار الدبلوماسي فجأة إلى نار مفتوحة بعد العدوان الذي سبق موعد الجولة التالية من التفاوض بيومين فقط. 

واليوم، تتكرر المشاهد ذاتها لكن وسط واقع أكثر تعقيداً؛ فالحرب التي استمرت أربعين يوماً لم تحقق الأهداف التي راهنت عليها واشنطن وتل أبيب، فيما خرجت طهران من المواجهة وهي أكثر تمسكاً بشروطها وأكثر اقتناعاً بأن الضغوط العسكرية لم تكسر إرادتها السياسية أو قدرتها على فرض معادلات ردع جديدة في المنطقة.

وفي خضم هذا المشهد، تحركت باكستان وقطر على خط الوساطة في محاولة لمنع عودة الحرب، حيث كثف المسؤولون الباكستانيون والقطريون اتصالاتهم بين طهران وواشنطن لصياغة ما بات يوصف بـ”اتفاق النوايا” أو “الاتفاق الإطاري”، وهو تفاهم أولي لا يهدف إلى إنهاء الصراع بشكل نهائي بقدر ما يسعى إلى تثبيت وقف الحرب وفتح نافذة تفاوض تمتد ثلاثين يوماً لبحث الملفات الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني والحصار البحري وأمن الخليج ومستقبل المواجهة في لبنان. غير أن التطورات المتسارعة أظهرت أن الولايات المتحدة تحاول توظيف المفاوضات لتحقيق ما عجزت عنه الحرب، عبر ممارسة أقصى درجات الضغط الاقتصادي والسياسي على إيران، بالتوازي مع إبقاء خيار الضربة العسكرية مطروحاً بقوة.

وفي وقت تحدث فيه موقع “أكسيوس” عن اقتراب الوسطاء من وضع اللمسات الأخيرة على “خطاب نوايا” لإنهاء الحرب وفتح مسار تفاوضي جديد، جاءت التصريحات الإيرانية لتعكس حذراً عميقاً من النوايا الأمريكية.

فقد أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن بلاده تركز حالياً على إنهاء الحرب وليس العودة إلى نقاشات الملف النووي، مشدداً على أن طهران لن تدخل في أي تفاوض جديد قبل معالجة آثار الحرب والحصار والاعتداءات التي تعرضت لها. 

كما شدد على أن إيران، بصفتها عضواً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، تملك حقاً مشروعاً في استخدام الطاقة النووية السلمية، رافضاً ما وصفه بالمطالب الأمريكية “المبالغ فيها وغير المعقولة”.

وفي المقابل، بدت واشنطن وتل أبيب وكأنهما تتعاملان مع المفاوضات باعتبارها غطاءً سياسياً يمنح الوقت لإعادة ترتيب المشهد العسكري. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن تعليق استئناف الحرب مؤقتاً، عاد ليرفع مستوى التهديد، فيما تحدثت تقارير إسرائيلية عن حالة “تأهب قصوى” داخل الجيش الإسرائيلي تحسباً لاحتمال شن هجوم جديد ضد إيران خلال أيام. 

كما كشفت القناة 12 الإسرائيلية عن تنسيق وثيق مع واشنطن وسط قناعة إسرائيلية بأن المفاوضات لن تصل إلى اتفاق نهائي، وأن الخيار العسكري ما زال مطروحاً بقوة.

وتعززت هذه المخاوف مع ظهور مؤشرات عسكرية لافتة، أبرزها الحديث عن تحويل مطار “بن غوريون” بتل أبيب، إلى مركز لوجستي ضخم للقوات الأمريكية عبر تكديس عشرات طائرات التزود بالوقود، في خطوة اعتبرها مراقبون استعداداً لعملية جوية واسعة ضد العمق الإيراني. 

كما رأت أوساط إيرانية أن بقاء ترامب في واشنطن واعتذاره عن حضور حفل زفاف نجله بسبب “التطورات الأخيرة” يحمل دلالات مشابهة لتحركات سبقت الحرب السابقة، معتبرة أن واشنطن قد تستخدم أجواء التفاوض كغطاء لخداع استراتيجي يسبق ضربة جديدة.

لكن في المقابل، تؤكد طهران أنها لم تعد تتعامل مع التهديدات الأمريكية والإسرائيلية بالعقلية الدفاعية التقليدية، بل انتقلت إلى مرحلة “الردع الهجومي”. 

صحيفة “خراسان” الإيرانية تحدثت صراحة عن انتقال إيران إلى استراتيجية قادرة على نقل المواجهة إلى ما وراء حدود المنطقة، عبر صواريخ فرط صوتية وطائرات مسيرة بعيدة المدى وشبكات عمليات غير متماثلة، فيما شدد الحرس الثوري على أن أي محاولة لاستهداف إيران ستقابل برد “في أماكن غير قابلة للتصور”.

وعلى الأرض، انعكس هذا التصعيد في استمرار سيطرة إيران على معادلة مضيق هرمز، إذ أعلنت السلطات الإيرانية إنشاء هيئة لإدارة المضيق وتنظيم عبور السفن وفرض ترتيبات جديدة عليه، بينما أكد الحرس الثوري عبور عشرات السفن التجارية بعد الحصول على تنسيق مسبق مع القوات الإيرانية.

هذه الخطوات دفعت الولايات المتحدة إلى التلويح بعقوبات جديدة ضد أي جهة تدفع رسوم عبور لإيران، في مؤشر على أن الصراع لم يعد عسكرياً فقط، بل تحول أيضاً إلى معركة سيطرة على شريان الطاقة العالمي.

اقتصادياً، بدأت تداعيات الأزمة تضغط بقوة على الأسواق العالمية، حيث أبقى بنك “باركليز” توقعاته لخام برنت عند حدود 100 دولار للبرميل خلال عام 2026، مشيراً إلى أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سحب ملايين البراميل من الأسواق العالمية، وخلق نقصاً حاداً في الإمدادات النفطية.

كما حذرت تقارير اقتصادية من أن أي تصعيد جديد قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى أزمة طاقة غير مسبوقة، خصوصاً مع استمرار تعطل حركة الملاحة في المضيق الذي تمر عبره نحو خُمس صادرات النفط والغاز في العالم.

وفي لبنان، تواصلت المواجهة الميدانية بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، حيث كثف حزب الله عملياته ضد المواقع الإسرائيلية في الجليل ومزارع شبعا، مستخدماً طائرات “أبابيل” المسيّرة التي كشفها حديثاً،  وصواريخ دقيقة استهدفت مواقع عسكرية ومنظومات دفاعية إسرائيلية، وسط اعترافات إسرائيلية متزايدة بصعوبة التصدي لهذه الهجمات.

ويرى مراقبون أن تل أبيب تحاول الضغط عبر الجبهة اللبنانية لإجبار إيران على تقديم تنازلات في التفاوض، بينما تعتبر طهران أن وقف الحرب في لبنان جزء أساسي من أي تفاهم مستقبلي.

وفي موازاة ذلك، واصلت قطر وباكستان تحركاتهما السياسية لتقريب وجهات النظر. فقد أكد رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني خلال اتصال مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي دعم الدوحة الكامل للوصول إلى اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار، مع التشديد على ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة وعدم استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط. أما باكستان، التي باتت الوسيط الرسمي بين واشنطن وطهران، فتسعى إلى تجاوز العقد المرتبطة بالملف النووي والتركيز أولاً على تثبيت وقف الحرب ورفع الحصار البحري وإنهاء التصعيد في لبنان والخليج.

ورغم كل هذا الحراك، تبدو الصورة أبعد ما تكون عن الاستقرار. فإيران ترى أن الحرب الأخيرة منحتها موقعاً تفاوضياً أقوى وأثبتت قدرتها على الصمود وفرض معادلات جديدة، فيما تخشى إسرائيل من أي اتفاق يمنح طهران تخفيفاً للعقوبات دون تجريدها من قدراتها النووية والصاروخية.

أما واشنطن، فتواصل اللعب بين مساري التفاوض والتصعيد، محاولة انتزاع مكاسب سياسية وأمنية لم تحققها الحرب المباشرة.

وبينما تتقاطع الوساطات والتحذيرات العسكرية وحرب العقوبات والمواجهة البحرية، تبدو المنطقة وكأنها تعيش هدنة هشة قابلة للانفجار في أي لحظة، في وقت تؤكد فيه طهران أن زمن الإملاءات قد انتهى، وأن أي محاولة لفرض شروط بالقوة ستفتح أبواب مواجهة أوسع قد تمتد من مضيق هرمز إلى البحر المتوسط، وتعيد رسم توازنات الشرق الأوسط بالكامل.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

ترامب: الحرب في إيران ستنتهي قريباً

ترامب: الحرب في إيران ستنتهي قريباً

2026-10-30 14:59 364
إمام جمعة النجف يحذر من الضغوط الخارجية ويطالب بوقف الانتهاكات الجوية

إمام جمعة النجف يحذر من الضغوط الخارجية ويطالب بوقف الانتهاكات الجوية

2026-10-30 14:17 2113
الزراعة توضح حقيقة وجود مخاطر صحية في البيض المستورد

الزراعة توضح حقيقة وجود مخاطر صحية في البيض المستورد

2026-10-30 12:40 3300
صراع مشتعل على صدارة دوري النجوم وسط مباريات حاسمة ومرتقبة

صراع مشتعل على صدارة دوري النجوم وسط مباريات حاسمة ومرتقبة

2026-10-30 11:51 3471
الأنواء: أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

الأنواء: أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

2026-10-30 09:46 3734
المرور العامة تنوه عن قطع جزئي لطريق في بغداد

المرور العامة تنوه عن قطع جزئي لطريق في بغداد

2026-10-30 00:14 10638
الحشد ينفي تقاضي المستشارين الإيرانيين رواتب خلال حرب العراق ضد الإرهاب

الحشد ينفي تقاضي المستشارين الإيرانيين رواتب خلال حرب العراق ضد الإرهاب

2026-10-29 23:22 7342
الحكومة: الزيدي سيزور الكويت والبحرين ودولاً أخرى ترتبط مع العراق بمصالح استراتيجية

الحكومة: الزيدي سيزور الكويت والبحرين ودولاً أخرى ترتبط مع العراق بمصالح استراتيجية

2026-10-29 22:43 8229
تسنيم: طهران تلقت رسالة أمريكية عبر وسطاء وتتمسك بشروطها الصارمة

تسنيم: طهران تلقت رسالة أمريكية عبر وسطاء وتتمسك بشروطها الصارمة

2026-10-29 19:47 8367
القائد العام للقوات المسلحة يتولى مهام رئاسة جهاز المخابرات

القائد العام للقوات المسلحة يتولى مهام رئاسة جهاز المخابرات

2026-10-29 18:47 6547
قائمة مسائية بأسعار الدولار في العراق

قائمة مسائية بأسعار الدولار في العراق

2026-10-29 18:04 7599
البرلمان يؤجل انعقاد جلسته إلى إشعار آخر

البرلمان يؤجل انعقاد جلسته إلى إشعار آخر

2026-10-29 16:59 15075
زيارة رفيعة لمقر المخابرات وتأكيد حكومي على إبعاده عن التحاصص الحزبي

زيارة رفيعة لمقر المخابرات وتأكيد حكومي على إبعاده عن التحاصص الحزبي

2026-10-29 16:58 7147
النفط تنفي سحب يد علي نزار الشطري من إدارة شركة سومو

النفط تنفي سحب يد علي نزار الشطري من إدارة شركة سومو

2026-10-29 15:43 13666
إطلاق رواتب متقاعدي العمال المضمونين لشهر تشرين الثاني

إطلاق رواتب متقاعدي العمال المضمونين لشهر تشرين الثاني

2026-10-29 14:16 9585
البنك المركزي العراقي ينفي صدور قائمة تدقيق لشخصيات سياسية

البنك المركزي العراقي ينفي صدور قائمة تدقيق لشخصيات سياسية

2026-10-29 14:03 6890
ارتفاع جديد لأسعار الدولار في بغداد وأربيل

ارتفاع جديد لأسعار الدولار في بغداد وأربيل

2026-10-29 13:01 6403
النزاهة: الحبس الشديد خمس سنوات بحقّ النائب زياد الجنابي

النزاهة: الحبس الشديد خمس سنوات بحقّ النائب زياد الجنابي

2026-10-29 12:23 9846