المطلع
عاجل

post-image

جفاف تاريخي يضرب بحيرة آمرلي ويكشف عمق أزمة المياه بالعراق


23:38 تقارير عربية ودولية
2025-10-12
50473

تواجه بحيرة "آمرلي" في محافظة صلاح الدين وسط العراق جفافاً قاسياً حوّلها من رافدٍ حيوي ومتنفسٍ طبيعي إلى أرضٍ قاحلة، في مشهد يجسّد عمق أزمة المياه والتغير المناخي التي تضرب البلاد وتترك آثاراً مدمّرة على البيئة والاقتصاد والحياة الريفية.

وجاء في تقرير لموقع العربي الجديد وتابعته "المطلع"، أنه:"تُعدّ البحيرة أحد أبرز المواقع السياحية الطبيعية في المنطقة، نظراً إلى ما تتمتع به من مساحات خضراء ونسيم عليل يخفّف وطأة الحرارة الملتهبة خلال صيف العراق، ما جعلها مقصداً لسكان المدن والقرى القريبة خلال أيام العُطل والمناسبات، حيث كانت بمنزلة مكان ترفيهي مجاني للأفراد والعائلات. لكن مشهد البحيرة تبدّل كليّاً هذا العام؛ المياه اختفت، والأسماك نفقت، والحقول ذبُلت، فيما بقيت الذكريات وحدها تسبح في وجدان الأهالي".

ونبّه قائممقام قضاء آمرلي، ميثم نوري، إلى أنّ البحيرة التي تُعدّ الخزين المائي الوحيد للمنطقة جفّت بالكامل، للمرة الأولى في تاريخها، في حادثةٍ وصفها بأنّها "الأسوأ منذ أكثر من قرن"، وفقاً لما نقلته وسائل إعلام محلية، مؤكداً أنّ الجفاف الطويل وقلّة الأمطار سبَّبا انحسار المياه تماماً.

ويروي العديد من المواطنين علاقتهم الخاصة ببحيرة آمرلي، وما يختلجهم من مشاعر تجاه هذا المَعلم السياحي. ففي مدينة تكريت، تتحدث ندى العواد (45 عاماً)، الموظفة في وزارة التربية العراقية والأم لثلاثة أطفال، عن البحيرة، وتصفها بأنّها "المكان الأحبّ" لعائلتها.

وتقول لـ"العربي الجديد":"كنا نذهب إلى البحيرة كل عطلة صيفية. كان أطفالي يركضون بجانب المياه ويحاولون اصطياد السمك بصناراتهم البدائية التي يصنعونها بأيديهم. كانت ضحكاتهم تملأ المكان". وتضيف:"لدينا كم كبير من الصور ومقاطع الفيديو قرب البحيرة، حيث الطبيعة والمرح، وكلّنا أمل في أن تعود الحياة لهذا المكان الجميل".

وبحسب تقارير رسمية، تعود أسباب الجفاف إلى تراجع معدلات الأمطار في شمال العراق خلال العامين الماضيين، وانخفاض منسوب الخزين المائي في سد العظيم الذي كان يغذّي بحيرة آمرلي. وتشير التقارير إلى أنّ موجات الحرارة الشديدة، وضعف الإمدادات المائية من السدود، وعدم وجود خطط حكومية عاجلة لإنعاش الخزانات الطبيعية، جعلت من جفاف البحيرة أمراً حتميّاً.

ويتحدث يوسف عبد الرحيم (28 عاماً)، من قضاء الشرقاط بمحافظة صلاح الدين، عن الأيام التي كانت تجمعه رفقة أصدقائه قرب البحيرة.

ويقول لـ"العربي الجديد":"كنا نأتي في عطلة يوم الجمعة، نغنّي ونشوي السمك ونستمتع حتى ساعات المساء. كانت البحيرة ملاذاً ننسى معه تعب الأسبوع، فتعود إلينا مشاعر الفرح والحياة. كانت "آمرلي" تشبهنا ببساطتها، لكنّها كانت تبعث الحياة".

ويرى يوسف أنّ جفاف البحيرة:"لم يسرق فقط المياه، إنّما سرق من العراقيين طقوسهم وعلاقاتهم"، قائلاً، نحن أبناء مدنٍ صغيرة، وهذه الأماكن كانت متنفّسنا الوحيد.

ويلفت فاضل عباس (60 عاماً) وهو مزارع في قرية قريبة من البحيرة، إلى أنّه كان يعتمد على مياه "آمرلي" في زراعة القمح وتربية الماشية، موضحاً لـ"العربي الجديد":"كنا نعيش على رزقها، حتى ماشيتنا كانت تجد المراعي الغنية بالحشائش حول البحيرة. لكن اليوم، لا زرع ولا عشب. وفي حال استمرّ الجفاف، سيقتل كل شيء".

وكانت البحيرة سبباً لتعزيز العلاقات بين زوّارها والسكان القريبين منها، وفقاً لما تقوله المواطنة ناهدة عزيز (47 عاماً)، وهي المقيمة في محافظة ديالى المجاورة لمحافظة صلاح الدين.

وتُخبر "العربي الجديد" أنّها كوّنت طيلة فترة ارتيادها البحيرة علاقات عديدة مع سيدات من قرى مجاورة. وتضيف:"تعرّفتُ على نساء كثيرات هناك. كنّا نطبخ معاً ونتبادل الطعام والقصص. نضحك ونشرب الشاي على ضفاف المياه. بعضهنّ ما زلن يتصلن بي حتى تاريخه، ويؤكّدن أن المياه ستعود حتماً إلى البحيرة. وفي حين نقصد البحيرة للاستمتاع، غير أنّ حياة السكان هناك ترتبط حكماً بمياه البحيرة".

ويعتبر الباحث الاجتماعي، مهند الطائي، أنّ الجفاف في بحيرة آمرلي لا يغيّر ملامح الطبيعة فحسب، بل يصيب الذاكرة الجماعية لسكان المنطقة وزوّارها.

ويقول لـ"العربي الجديد":"الأماكن الطبيعية ليست مجرد فضاءات جغرافية، بل هي محطات نفسية ترتبط بها العائلات بعواطفها وتاريخها. وحين تختفي، يشعر الناس وكأنّهم فقدوا جزءاً من ذواتهم".

ويحذّر الطائي من أنّ:"جفاف البحيرات والأنهار في العراق لم يعد مجرّد ظاهرة بيئية، بل قضية اجتماعية تمسّ الاستقرار الريفي، وتدفع البعض إلى الهجرة نحو المدن. الأمر الذي يسبّب تبعاتٍ نفسية واجتماعية تؤثر على استقرار المجتمع، وقد تولّد مشاكل خطيرة جراء الاقتلاع القسري لفئة معينة من المواطنين من بيئتهم وحاضنتهم الطبيعية".

ويشير إلى أنّ، جفاف بحيرة "آمرلي" يؤدّي إلى تقليص عدد المواقع الطبيعية الجميلة التي تعزّز المشاعر الإيجابية لدى المواطنين، ويقول:"باختفائها نفقد ما تبعثه هذه الأماكن من طاقة إيجابية نحن بأمسّ الحاجة إليها في العراق".

وتشكّل المياه الواردة إلى العراق من تركيا وإيران، النسبة الأكبر من الخزين المائي المحلي. لكن تراجع الإمدادات المائية بنسبة كبيرة من البلدين المجاورين، إلى جانب انحسار معدلات هطل الأمطار خلال الشتاء، والارتفاع الحاد في درجات الحرارة صيفاً، كلها عوامل فاقمت موجة التصحّر والجفاف في العراق. الأمر الذي أدّى إلى اختفاء أو تقلّص العديد من البحيرات والمسطّحات المائية في مختلف أنحاء البلاد.

وفي تصريحاتٍ صحافية، أكد المتحدث باسم وزارة الموارد المائية العراقية، خالد شمال، أنّ الوضع المائي هذا العام في العراق أسوأ مقارنةً بالعام 2024، مشيراً إلى أنّ العراق لا يحصل سوى على أقلّ من 40% من استحقاقه المائي.

وكشف أن:"الخزين الاستراتيجي للمياه تراجع إلى نحو 10 مليارات متر مكعب، في حين أنّ الحاجة الفعلية تقتضي توفير 18 ملياراً، لافتاً إلى أن هذا الانخفاض لم يُسجّل منذ 80 عاماً".

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

ترامب: الحرب في إيران ستنتهي قريباً

ترامب: الحرب في إيران ستنتهي قريباً

2026-10-30 14:59 2985
إمام جمعة النجف يحذر من الضغوط الخارجية ويطالب بوقف الانتهاكات الجوية

إمام جمعة النجف يحذر من الضغوط الخارجية ويطالب بوقف الانتهاكات الجوية

2026-10-30 14:17 3149
الزراعة توضح حقيقة وجود مخاطر صحية في البيض المستورد

الزراعة توضح حقيقة وجود مخاطر صحية في البيض المستورد

2026-10-30 12:40 3735
صراع مشتعل على صدارة دوري النجوم وسط مباريات حاسمة ومرتقبة

صراع مشتعل على صدارة دوري النجوم وسط مباريات حاسمة ومرتقبة

2026-10-30 11:51 3835
الأنواء: أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

الأنواء: أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

2026-10-30 09:46 3964
المرور العامة تنوه عن قطع جزئي لطريق في بغداد

المرور العامة تنوه عن قطع جزئي لطريق في بغداد

2026-10-30 00:14 10687
الحشد ينفي تقاضي المستشارين الإيرانيين رواتب خلال حرب العراق ضد الإرهاب

الحشد ينفي تقاضي المستشارين الإيرانيين رواتب خلال حرب العراق ضد الإرهاب

2026-10-29 23:22 7384
الحكومة: الزيدي سيزور الكويت والبحرين ودولاً أخرى ترتبط مع العراق بمصالح استراتيجية

الحكومة: الزيدي سيزور الكويت والبحرين ودولاً أخرى ترتبط مع العراق بمصالح استراتيجية

2026-10-29 22:43 8250
تسنيم: طهران تلقت رسالة أمريكية عبر وسطاء وتتمسك بشروطها الصارمة

تسنيم: طهران تلقت رسالة أمريكية عبر وسطاء وتتمسك بشروطها الصارمة

2026-10-29 19:47 8422
القائد العام للقوات المسلحة يتولى مهام رئاسة جهاز المخابرات

القائد العام للقوات المسلحة يتولى مهام رئاسة جهاز المخابرات

2026-10-29 18:47 6735
قائمة مسائية بأسعار الدولار في العراق

قائمة مسائية بأسعار الدولار في العراق

2026-10-29 18:04 7902
البرلمان يؤجل انعقاد جلسته إلى إشعار آخر

البرلمان يؤجل انعقاد جلسته إلى إشعار آخر

2026-10-29 16:59 15227
زيارة رفيعة لمقر المخابرات وتأكيد حكومي على إبعاده عن التحاصص الحزبي

زيارة رفيعة لمقر المخابرات وتأكيد حكومي على إبعاده عن التحاصص الحزبي

2026-10-29 16:58 7324
النفط تنفي سحب يد علي نزار الشطري من إدارة شركة سومو

النفط تنفي سحب يد علي نزار الشطري من إدارة شركة سومو

2026-10-29 15:43 14107
إطلاق رواتب متقاعدي العمال المضمونين لشهر تشرين الثاني

إطلاق رواتب متقاعدي العمال المضمونين لشهر تشرين الثاني

2026-10-29 14:16 9671
البنك المركزي العراقي ينفي صدور قائمة تدقيق لشخصيات سياسية

البنك المركزي العراقي ينفي صدور قائمة تدقيق لشخصيات سياسية

2026-10-29 14:03 7080
ارتفاع جديد لأسعار الدولار في بغداد وأربيل

ارتفاع جديد لأسعار الدولار في بغداد وأربيل

2026-10-29 13:01 6514
النزاهة: الحبس الشديد خمس سنوات بحقّ النائب زياد الجنابي

النزاهة: الحبس الشديد خمس سنوات بحقّ النائب زياد الجنابي

2026-10-29 12:23 10058